الْمُشْرِكِينَ بِكُلِّ وَجْهٍ وَجَدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِرِجَالٍ أَوْ مَالٍ، وَهُوَ شَرْطُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الاِجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ فِي تَدْبِيرِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الأَْمَانَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنْ تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهُ صَحَّ وُقُوفُ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ أَخَل بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ الْهُدْنَةُ [1] .
وَإِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ الْهُدْنَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ، بَل قَال: هَادَنْتُكُمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَهَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ [2] .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِنْ شَرَطَ الإِْمَامُ نَقْضَ الْعَهْدِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. وَكَذَا إِنْ شَرَطَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ فَلَمْ يَصِحَّ [3] .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ غَيْرُ لاَزِمٍ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقْضِ، فَلِلإِْمَامِ نَبْذُهُ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ فِي الْمُوَادَعَةِ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَوَادَعَهُمْ، ثُمَّ نَظَرَ فَوَجَدَ أَنَّهَا شَرٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ فِي الاِنْتِهَاءِ مَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَنَعَ عَقْدَهَا وَاسْتِدَامَتَهَا؛ وَلأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا، وَإِبْقَاءُ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ رَأَى نَقْضَهَا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّبْذِ تَحَرُّزًا مِنَ الْغَدْرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْعُمُومَاتِ: نَحْوَ مَا صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا"
(1) - الْحَاوِي الْكَبِير 18/ 408 - 409، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 307، ومغني الْمُحْتَاج 4/ 461، وروض الطَّالِب 4/ 225، والإنصاف 4/ 212 - 213
(2) - الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(3) - الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 8/ 459 - 460، والإنصاف 4/ 213