عُمَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَصَّ الْحَالِمَ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِ: «الْحَالِمُ وَالْحَالِمَةُ» فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَحْفُوظَ الْمُثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي لَا ذِكْرَ لِلْحَالِمَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. وَبِهِ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ. فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ مَحْفُوظًا، فَإِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ كَانَ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادِهِمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ وَذَكَرَ الْحُجَجَ فِي ذَلِكَ [1]
وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَعَمِل بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ. [2]
فَقَدْ صَالَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَهْل بُصْرَى عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَجَرِيبَ حِنْطَةٍ، وَصَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْل أَنْطَاكِيَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلاَءِ، فَجَلاَ بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ وَوَضَعَ عَلَى كُل حَالِمٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَجَرِيبًا.
وَوَضَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى أَهْل مِصْرَ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ [3]
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَالصِّبْيَانُ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا. [4]
وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَهَل يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الأَوَّل يَتَنَاوَل الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الأَعْصَارِ، وَلَمْ يُفْرِدُوا كُل مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. [5]
(1) - المصدر السابق
(2) - الأموال لأبي عبيد ص 54.
(3) - فتوح البلدان ص 120، 154، 220.
(4) - المغني 8/ 507.
(5) - حاشية ابن عابدين 4/ 198، ومجمع الأنهر 1/ 671، وحاشية الدسوقي 2/ 201، والمقدمات لابن رشد 1/ 397، وحاشية الخرشي 3/ 144، والمغني 8/ 508، وكشاف القناع 3/ 121، وأحكام أهل الذمة 1/ 45.