وهو واجب في الأماكن الخاصة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]
يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ فَيَأْمُرُهُم بِأَلاَّ يَدْخُلُوا بُيوتًا غَيْرَ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا قَبْلَ الدُّخُولِ (يَسْتَأنِسُوا) ،وَيُسَلِّمُوا بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأَذِنُوا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا أُذِنَ لَهُمْ دَخُلُوا وَإِلاَّ انْصَرَفُوا، فَالاسْتِئْذَانُ خَيْرٌ لِلمُسْتَأذِنِ وَلأَهْلِ البَيْتِ، فالبيْتُ سَكَنٌ يَفِيُْ إِلَيْهِ النَّاسُ فَتَسْكُنُ أَرْوَاحُهُمْ، وَيَطْمَئِنُّونَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَحُرَمَاتِهِم، وَيُلْقُونَ عَنْهُمْ أَعْبَاءَ الحِرْصِ والحَذَرِ المُرْهِقَةِ للنُّفُوسِ والأَعْصَابِ، والبُيُوتُ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ إِلاَّ تَكُونُ حَرَمًَا آمِنًا لاَ يَسْتَبِيحُهُ أَحَدٌ إِلاَّ بِعِلمِ أَهْلِهِ وإِذْنِهِمْ فِي الوَقتِ الذي يُرِيدُونَ هُمْ. (وَكَانُوا فِي الجَاهِليَّةِ يَدْخُلُونَ بِدُونِ اسْتِئْذَان) ثُمَّ يَقُولُونَ لَقَدْ دَخَلْنَا) [1] .
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى. قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ." [2] "
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2700،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1696) 37 - (2154)
الِاسْتِئْذَانُ) لِلدُّخُولِ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْإِذْنِ، أَيْ طَلَبُهُ (ثَلَاثٌ) مِنَ الْمَرَّاتِ، (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ) ؛لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ: {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور:28] (سورة النُّورِ: الْآيَةَ:28) ،قَالَ الْمَازِرِيُّ: صُورَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟،ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ أَوْ لَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا يَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ، وَبَيَّنَ حِكْمَةَ الثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْأَفْرَادِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا:" «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ: فَالْأُولَى تُسْمِعُونَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَصْلِحُونَ، وَالثَّالِثَةُ: يَأْذَنُونَ أَوْ يَرُدُّونَ» "،قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الِاسْتِئْذَانِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا لَمْ يَسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدُوا. وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ. وَقِيلَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلْإِبَاحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسْتَأْذِنِ، فَمَنِ اسْتَأْذَنَ أَكْثَرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 576)