فهرس الكتاب

الصفحة 2671 من 3472

أعْتقِدُ أنّكُم قوْمٌ تجْهلُون مهمّة الرّسُولِ، ولِذلِك طلبتُمْ مِنّي أنْ أُعجّل لكُمُ العذاب، كما أنِّي أعتقِدُ أنّكُمْ قوْمٌ تجْهلُون عظمة اللهِ وقُدْرتهُ وشِدّة بأسِهِ، لِذلِك طلبتُمْ تعْجِيل إِنْزالِ العذابِ بِكُمْ، والعذابُ لا يطْلُبُ عاقِلٌ أنْ ينْزِل بِهِ. وكان اللهُ تعالى قدْ حبس المطر عنْ عادٍ مُدّةً مِن الزّمنِ، حتّى اشتدّ بِهِم العطشُ، ثُمّ أرْسل إِليهِمْ غُيُومًا كثِيفةً اتّجهتْ إِلى أودِيتِهِمْ ففرِح بها قوْمُ عادٍ، واستبْشرُوا ظنًّا مِنْهُمْ أنّها سحائِبُ تحمِلُ المطر.

فقال بعْضُهُمْ لِبعْضٍ: هذا سحابٌ سيُمْطِرُنا. وقال لهُمُ اللهُ تعالى (أوْ قاله لهُمْ هُودٌ عليهِ السّلامُ) .

بل هُو العذابُ الذِي استعْجلْتُم بإِنْزالِهِ بِكُم، حِين قُلْتُمْ لِرسُولِكُم {فأْتِنا بِما تعِدُنآ إِن كُنت مِن الصادقين} إِنّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عذابًا مُهْلِكًا شدِيد الإِيلامِ. وهذهِ الرِّيحُ التي أرسلها اللهُ على قوْمِ عادٍ تُهلكُ وتُخرِّبُ كُلّ شيءٍ مرّتْ بِهِ بإِذن ربِّها. ووصفها تعالى في آيةٍ أخْرى بأنّها {ما تذرُ مِن شيْءٍ أتتْ عليْهِ إِلاّ جعلتْهُ كالرميم}

وسلّط اللهُ تعالى هذهِ الرِّيح العاتية على قومِ عادٍ، فهبّتْ عليهِمْ سبْع ليالٍ وثمانِية أيّامٍ كامِلاتٍ مُتتالِياتٍ، فأهْلكتْهُمْ جميعًا، ولم تترُكْ لهُمْ في أرْضِهِمْ مِنْ باقِيةٍ، ولم يعُدْ يُرى في دِيارِهم إِلاّ مساكِنُهُمْ خالِيةً لا ساكِن فِيها. ويُخْبِرُ تعالى أنّهُ يُعاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبةِ كُلّ منْ كذّب رُسُلهُ، وخالف أوامِرهُ.

وقدْ مكنّا لِقومِ عادٍ في الدُّنيا فِيما لمْ نُمكِّنْكُمْ فيهِ، وأعْطيناهُمْ ما لمْ نُعْطِكُم مِثْلهُ، ولا قريبًا مِنْهُ، مِن الأمْوالِ الكثِيرة، والأولادِ، وبسْطةِ الأجْسام، وقُوّةِ الأبدانِ، وجعلْنا لهُمْ أسْماعًا وأبْصارًا، فلم يسْتعْمِلُوا شيئًا مِنْ أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأفْئِدتِهِمْ فِيما خُلِقتْ لهُ، ولمْ ينْتفِعُوا بِها في الاهتداء إِلى وُجودِ الخالِق ووحْدانِيتهِ، وقُدْرتِهِ العظِيمةِ على الخلْقِ، لأنّهُمْ كانُوا يُكذِّبُون رُسُل اللهِ، ويُنْكِرُون آياتِهِ فأنزل اللهُ تعالى بأْسهُ وعذابهُ عليهِم، وأحاط بِهِم العذابُ الذِي كانُوا يسْتهِزِئُون بِهِ، ويسْتبْعِدُون وُقُوعهُ بِهِمْ، فاستعْجِلُوهُ. فلْيحْذرْ مُشْرِكُو مكّة أنْ ينْزِل بِهِمْ ما نزل بِقوْمِ عادٍ، إِذا استمروُا على كُفْرِهِمْ وتكْذِيبهِمْ.

ولقدْ أهْلك اللهُ تعالى القُرى مِنْ حوْلِ مكّة (مِثْل عادٍ وثمُود ومدْين وقوْمِ لُوطٍ) ،وأهْلُ مكّة يعْرِفُون منازِل تِلْك الأقوامِ، وكانُوا يمُرُّون بِها وهُمْ غادُون رائِحُون في أسْفارِهِمْ، وقدْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت