ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولكِنِّي أراكُمْ قوْمًا تجْهلُون (23) فلمّا رأوْهُ عارِضًا مُسْتقْبِل أوْدِيتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بلْ هُو ما اسْتعْجلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عذابٌ ألِيمٌ (24) تُدمِّرُ كُلّ شيْءٍ بِأمْرِ ربِّها فأصْبحُوا لا يُرى إِلّا مساكِنُهُمْ كذلِك نجْزِي الْقوْم الْمُجْرِمِين (25) ولقدْ مكّنّاهُمْ فِيما إِنْ مكّنّاكُمْ فِيهِ وجعلْنا لهُمْ سمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدةً فما أغْنى عنْهُمْ سمْعُهُمْ ولا أبْصارُهُمْ ولا أفْئِدتُهُمْ مِنْ شيْءٍ إِذْ كانُوا يجْحدُون بِآياتِ اللّهِ وحاق بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يسْتهْزِئُون (26) ولقدْ أهْلكْنا ما حوْلكُمْ مِن الْقُرى وصرّفْنا الْآياتِ لعلّهُمْ يرْجِعُون (27) فلوْلا نصرهُمُ الّذِين اتّخذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ قُرْبانًا آلِهةً بلْ ضلُّوا عنْهُمْ وذلِك إِفْكُهُمْ وما كانُوا يفْترُون (28) [الأحقاف/]
يُسلِّي اللهُ تعالى رسُوله الكريم عمّا يُلاقِيهِ مِنْ تكْذِيبِ قوْمِهِ لهُ، واسْتِهْزائِهِمْ بهِ، ويُذكِّرُهُ بِقصصِ الأنبِياءِ الذِين قبْلهُ، فكذّبهمْ أقْوامُهُم، واسْتهْزاؤوا بِهِمْ فجاء نصْرُ اللهِ فنجّى الرُّسُل والذِين آمنُوا، وأهْلك المُجْرِمين. وهُنا يبْدأُ تعالى بِسرْدِ قِصّةِ هُودٍ، عليهِ السّلامُ، مع قُومِهِ عادٍ، وقدْ كانوا يسْكُنُون الأحْقاف في مِنْطقةِ حضْرموْت، جنُوبيِّ الجزِيرةِ العربيّةِ، فقدْ بعثهُ اللهُ إِليهِمْ فدعاهُم إِلى عِبادةِ اللهِ وحْدهُ لا شرِيك لهُ، وذكّرهُمْ بِأنْعُمِ اللهِ عليهِم، وبِما منّ عليهِمْ بِهِ من قُوّةٍ وغِنىً، وكثْرةِ عددٍ، وأنذرهُمْ بأس اللهِ الشّدِيد وعِقابهُ إِن أقامُوا على كُفْرِهم وظُلْمِهِمْ. وقدْ أرْسل اللهُ قبْل هُودٍ رُسُلًا آخرِين دعوا أقْوامهُم إِلى الإِيمانِ باللهِ، وأنْذرُوهُمْ عذاب اللهِ إِنْ أصرُّوا على كُفْرِهِمْ، وحثُّوهُمْ على الإِقْلاعِ عنِ الشِّرْكِ بِاللهِ، وعلى إِفرادِهِ تعالى بِالأُلُوهِيّةِ وحْدهُ. وقال هُودٌ لِقوْمِهِ ناصِحًا: إِنِّي أخافُ عليكُم عذاب يوْمٍ عظِيمِ الهوْلِ، هُو يوْمُ القِيامةِ إِذا أصرُّوا على كفْرهِمْ وتكْذِيبِهِمْ. فردُّوا عليه قائِلِين: أجِئتنا لِتصْرِفنا عنْ عِبادةِ آلهِتنا إِلى عِبادةِ ربِّك الذِي تدْعُونا إِليهِ، فعجِّلْ لنا بِإِنْزالِ العذابِ علينا، إِنْ كُنْت مِنْ الصّادِقين في وعِيدِك لنا (وهُو أنّ ربّك سيُنْزِلُ علينا عذابًا مُدمِّرًا مُهْلِكًا يُبِيدُنا بهِ إِذا ما بقينا مُقِيمِين على عِبادةِ أصْنامِنا) .
فقال لهُم هُودٌ عليهِ السّلامُ: إِنّ الله هُو الذِي يعْلمُ إِنْ كُنْتُمْ تسْتحِقُّون العذاب، وهُو القادِرُ على إِنزالِهِ بِكُمِ، وهُو العالِمُ بالوقْتِ الذِي يُنزِلُهُ بِكُم إِنْ شاء، أمّا أنا فمهمّتِي هِي إِبْلاغُكُمْ ما أرْسلنِي بهِ إِليكُم، وأنا لا أسْتطِيعُ أنْ أُعجِّل العذاب الذِي تطْلُبُونهُ، ولا أقدِرُ عليهِ، وإِنِّي