وفي قوله تعالى لأولئك المخاطبين: «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .. إيماءة مقصودة. فهم يعلمون ما كانوا يعملون. ولكن اللّه - سبحانه - أعلم منهم بها حتى لينبئهم هو بها! وكم من دافع خفي للعمل يخفى حتى على صاحبه وهو يفعله، واللّه أعلم به منه! وكم من نتيجة لهذا العمل لا يدري صاحبه وقوعها، واللّه يعلمها دون صاحبها! .. والمقصود - بطبيعة الحال - هو نتيجة الإنباء. وهي الحساب والجزاء الحق على الأعمال. ولكن هذه النتيجة لا ينص عليها، إنما ينص على الإنباء ذاته لمناسبة هذه الإيماءة في هذا السياق.
«سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ - إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ - لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ. فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..
وهذا إنباء آخر من اللّه سبحانه ل نبيه صلى الله عليه وسلم،عما سيكون من أمر القوم عندما يعود إليهم هو والمؤمنون الخلص معه سالمين آمنين. وكان المنافقون قد ظنوا أنهم لا يعودون من لقاء الروم! فقد علم اللّه وأخبر نبيه أنهم سيؤكدون معاذيرهم بالحلف باللّه لعل المسلمين يعرضون عن فعلتهم وتخلفهم عفوا وصفحا ولا يحاسبونهم عليها ويجازونهم بها.
ثم يوجهه ربه إلى الإعراض عنهم فعلا، لكن لا بمعنى العفو والصفح إنما بمعنى الإهمال والاجتناب.
معللا ذلك بأنهم دنس يتجنب ويتوقى: «فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ» ..
وهو التجسيم الحسي للدنس المعنوي. فهم ليسوا رجسا - أي دنسا - بأجسادهم وذواتهم إنما هم رجس بأرواحهم وأعمالهم. ولكنها الصورة المجسمة أشد بشاعة وأبين قذارة، وأدعى إلى التقزز والاشمئزاز، وإلى الاحتقار كذلك والازدراء! والقاعدون في الجماعة المكافحة - وهم قادرون على الحركة - الذين يقعد بهم إيثار السلامة عن الجهاد ..
رجس ودنس. ما في ذلك شك ولا ريب .. رجس خبيث يلوث الأرواح، ودنس قذر يؤذي المشاعر كالجثة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتعدي! «وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..