وإنما النهي عن الإفراط فيه لما في ذلك من المضار وأهونها استخفاف الناس به، وأنه قد يكذب ليُضحك الناس، وقد يثير المزاح عداوة بين الناس، أو يقع المازح في عرض بعض الناس، وكل هذا مشاهد معروف.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ» [1]
قال ابن حجر:[والجَمع بَينَهما أَنَّ المَنهِيّ عَنهُ ما فِيهِ إِفراط أَو مُداومَة عَلَيهِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّغل عَن ذِكر الله والتَّفَكُّر فِي مُهِمّات الدِّين ويَئُولُ كَثِيرًا إِلَى قَسوة القَلب والإِيذاء والحِقد وسُقُوط المَهابَة والوقار، والَّذِي يَسلَم مِن ذَلِكَ هُو المُباح، فَإِن صادَفَ مَصلَحَة مِثل تَطَيُّب نَفس المُخاطَب ومُؤانَسَته فَهُو مُستَحَبّ.
قالَ الغَزالِيّ: مِنَ الغَلَط أَن يُتَّخَذ المِزاح حِرفَة، ويُتَمَسَّك بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَزَحَ فَهُو كَمَن يَدُور مَعَ الرِّيح حَيثُ دارَ، ويَنظُر رَقصهم، ويُتَمَسَّك بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِعائِشَة أَن تَنظُر إِلَيهِم.] [2] .
وقال الماوردي في كتابه (أدب الدنيا والدين) : [وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اتَّقُوا الْمِزَاحَ فَإِنَّهَا حِمْقَةٌ تُورِثُ ضَغِينَةً. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّمَا الْمِزَاحُ سِبَابٌ إلَّا أَنَّ صَاحِبَهُ يُضْحِكُ. وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَ الْمِزَاحُ مِزَاحًا لِأَنَّهُ يُزِيحُ عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمِزَاحُ مِنْ سُخْفٍ أَوْ بَطَرٍ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْمِزَاحُ يَأْكُلُ الْهَيْبَةَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كَثُرَ مِزَاحُهُ زَالَتْ هَيْبَتُهُ، وَمَنْ ذَكَرَ خِلَافَهُ طَابَتْ غَيْبَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ قَلَّ عَقْلُهُ كَثُرَ هَزْلُهُ. وَذَكَرَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ الْمِزَاحَ فَقَالَ: يَصُكُّ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ بِأَشَدَّ مِنْ الْجَنْدَلِ، وَيُنْشِقُهُ أَحْرَقَ مِنْ الْخَرْدَلِ، وَيُفْرِغُ عَلَيْهِ أَحَرَّ مِنْ الْمِرْجَلِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنَّمَا كُنْتُ أُمَازِحُك. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: خَيْرُ الْمِزَاحِ لَا يُنَالُ، وَشَرُّهُ لَا يُقَالُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَلَّمَا يَعْرَى مِنْ الْمِزَاحِ مَنْ كَانَ سَهْلًا فَالْعَاقِلُ يَتَوَخَّى بِمِزَاحِهِ إحْدَى حَالَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إحْدَاهُمَا: إينَاسُ الْمُصَاحِبِينَ وَالتَّوَدُّدُ إلَى الْمُخَالِطِينَ. وَهَذَا يَكُونُ بِمَا أَنِسَ مِنْ جَمِيلِ الْقَوْلِ، وَبُسِطَ مِنْ مُسْتَحْسَنِ الْفِعْلِ.
(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص:142) (394) فيه ضعف
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 526)