قلت: فمن قل حظه من النوع الأول فعليه بمجاهدة نفسه لاكتساب الثاني.
الثاني: أن يحب للناس ما يحبه لنفسه وأن يكره لهم ما يكرهه لنفسه، وإذا قلنا إن الحياء يدفع صاحبه إلى أداء حقوق الناس، فنقول هل هناك قاعدة عامة تبين ما هي حقوق الناس، يتبعها من لا يستطيع الإحاطة بتفاصيل الأحكام والآداب الإسلامية؟ [1]
والجواب: نعم توجد قاعدة عامة لهذا وهي (أن تحب للناس ما تحب لنفسك من الخير وأن تكره لهم ما تكرهه لنفسك من الشر) .
وهذه القاعدة مستفادة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم،فعَنْ أَنَسٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [2]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّالله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ» [3] .
قلت: ومفهومه وحتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه.
قال ابن رجب:[وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُوءُهُ مَا يَسُوءُ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُحْزِنُهُ مَا يُحْزِنُهُ.
وَحَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُرِيدُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ كَمَالِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحَسَدِ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكْرَهَ الْحَاسِدُ أَنْ يَفُوقَهُ
(1) - انظر كتابي"المهذب في الآداب الإسلامية"
(2) - صحيح البخاري (1/ 12) (13) وصحيح مسلم (1/ 67) 71 - (45)
[ش (لا يؤمن أحدكم) الإيمان الكامل. (ما يحب لنفسه) من فعال الخير]
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن عاطفة المحبة للناس وحب الخير لهم جميعًا من كمال الإيمان، ولا يتحقق ذلك إلاّ إذا تجرد الإنسان من الأنانية والحقد والكراهية والحسد، وأحب لغيره من المباحات ما يحبه لنفسه من السلامة، والأمن، ورغد العيش والهداية والتوفيق. أما المعاصي فليس من الإِيمان أن يحبها لغيره، لأنها شرٌّ لا خير فيها، أما محبة المسلم لأخيه المسلم فإنها آكد وأقوى، ولا يكفى فيها مجرد العواطف النفسية، بل لا بد أن تظهر آثار هذه العواطف في معاملته. ثانيًا: التحذير من الحقد والحسد وغير ذلك من المشاعر الكريهة التي تنافي المحبة. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 91)
(3) - مستخرج أبي عوانة (1/ 41) (92) صحيح