قلْ يا محمّد لأهْل الكتاب من اليهود والنّصارى: لم تمْنعون المؤْمنين منْ سلوك طريق الإيمان المسْتقيم الموصل إلى الله، وتكّذبون بآيات الله ورسالته، كفْرًا وعنادًا، وكبْرًا وحسدًا، وتلْقون الشّبهات الباطلة في قلوب الضّعفاء من المسْلمين بغْيًا وكيْدًا للنّبيّ؟ هلْ تريْدون اعْوجاج الأمور، وسيادة الشّرّ والفساد في الأرْض؟ وأنْتمْ شهداء على صحّة ما أقول، وعلى صدْق ما جاءني منْ عنْد الله؟ وأنْتمْ تعْلمون أنّه لا يغيب عنْ علْم الله شيءٌ ممّا تعْملون منْ صدٍّ وكفْرٍ وبغْيٍ. [1]
وفي الظلال:
بعد هذا البيان يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتجه إلى أهل الكتاب بالتنديد والتهديد، على موقفهم من الحق الذي يعلمونه، ثم يصدون عنه، ويكفرون بآيات اللّه. وهم شهداء على صحتها، وهم من صدقها على يقين: «قلْ: يا أهْل الْكتاب لم تكْفرون بآيات اللّه، واللّه شهيدٌ على ما تعْملون؟ قلْ: يا أهْل الْكتاب لم تصدّون عنْ سبيل اللّه منْ آمن تبْغونها عوجًا وأنْتمْ شهداء؟ وما اللّه بغافلٍ عمّا تعْملون» .
وقد تكرر مثل هذا التنديد في هذه السورة، وفي سور غيرها كثيرة. وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم، ووصفهم بصفتهم، التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين، بينما هم في حقيقتهم كفار. فهم يكفرون بآيات اللّه القرآنية. ومن يكفر بشيء من كتاب اللّه فقد كفر بالكتاب كله.
ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند اللّه بعد رسولهم. فحقيقة الدين واحدة. من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق، وأوجب على نفسه الإسلام للّه على أيديهم .. وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوّفهم عاقبة ما هم فيه.
ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب، يسقط هذا الخداع عنهم، وهم يرون اللّه - سبحانه - يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء، ويدمغهم بالكفر
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:391، بترقيم الشاملة آليا)