يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، انْظُرُوا أَكْثَرَهُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ صَاحِبِهِ فِي الْقَبْرِ، فَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ [1] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَكُونُ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ طُعِنَتْ تَتَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ» [2]
(أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) :قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ سَوَاءٌ مَاتَ صَاحِبُهُ مِنْهُ أَمْ لَا. كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ( «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِهِ» ) :جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُؤَكِّدَةً مُقَرِّرَةً لِمَعْنَى الْمُعْتَرَضِ فِيهِ، وَتَفْخِيمِ شَأْنِ مَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِهِ، وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِعِظَمِ شَأْنِ مَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران:36] وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران:36] مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلَامَيْ أَمِّ مَرْيَمَ تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِهَا وَتَجْهِيلًا لَهَا بِقَدْرِ مَا وُهِبَ لَهَا، وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وَضَعَتْ، وَمَا عَلَّقَ بِهِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَتْمِيمًا لِلصِّيَانَةِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، ثُمَّ الْأَوَّلُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى كَوْنُهُ تَنْظِيرًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وُضِعَتْ بِصِيغَةِ الْغَائِبَةِ لَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْغَزْوِ، وَأَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ لَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ جُرِحَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ) :بِضَمِّ أَوَّلِهِ (يَثْعَبُ) :قَالَ السُّيُوطِيُّ: بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ; أَيْ يَجْرِي مُنْفَجِرًا ; أَيْ كَثِيرًا، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَتَفَجَّرُ (دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ) :وَفِي نُسْخَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَوْنُ دَمٍ (وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) :قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي مَجِيئِهِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدٌ فِي فَضِيلَتِهِ وَبَذَلِ نَفْسِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ثَعَبْتُ الْمَاءَ فَجَّرَتُهُ فَانْثَعَبَ، إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْجُرْحِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ
(1) -دلائل النبوة للبيهقي محققا (3/ 290) صحيح
(2) - الجهاد لابن أبي عاصم (2/ 487) (179) صحيح