فهرس الكتاب

الصفحة 1784 من 3472

للمسلمين. فإن كان قصده تجريه الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصْنَعُوا مِثْلَ صَنِيعِهِ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ إِرْهَابَ الْعَدُوِّ وَلِيُعْلِمَ صَلَابَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ. وَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَلِفَتْ نَفْسُهُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَتَوْهِينِ الْكُفْرِ فَهُوَ الْمَقَامُ الشَّرِيفُ الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ:"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ" [التوبة:111] الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِهَا مِنْ آيَاتِ الْمَدْحِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ. وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّينِ فَبَذَلَ نَفْسَهُ فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كان فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:"وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" [لقمان:17] . [1] .

وقال النووي: وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا. [2]

وقال في قصة عمير بن الحمام: فِيهِ جَوَازُ الِانْغِمَارِ فِي الْكُفَّارِ وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ" [3] ."

وقال ابن قدامة: وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ انْصَرَفُوا جَازَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ عُلِّقَ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمْ الثَّبَاتُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الثَّبَاتُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الظَّفَرُ، لِمَا فِيهِ مِن الْمَصْلَحَةِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ، وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ، وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ، لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ وَالِانْصِرَافِ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ، لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَالِ مُحْتَسَبِينَ، فَيَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُوَلِّينَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى

(1) - تفسير القرطبي (2/ 364)

(2) - شرح النووي على مسلم (12/ 187)

(3) - شرح النووي على مسلم (13/ 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت