فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 3472

وفي الظلال:

والذين كانوا يواجهون المسلمين في المدينة كانوا هم اليهود إذ لم تكن هناك كتلة من النصارى تقف مواقف اليهود. ولكن النص هنا عام يواجه مقولات هؤلاء وهؤلاء. ثم يجبه هؤلاء بهؤلاء! ويحكي رأي المشركين في الطائفتين جميعا! «وقالوا: لنْ يدْخل الْجنّة إلّا منْ كان هودًا أوْ نصارى» ..

وهذه حكاية قوليهم مزدوجة. وإلا فقد كانت اليهود تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا - أي من يهود - وكانت النصارى تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى ..

وهذه القولة كتلك، لا تستند إلى دليل، سوى الادعاء العريض! ومن ثم يلقن اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل: «قلْ: هاتوا برْهانكمْ إنْ كنْتمْ صادقين» ..

وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان، لا الاسم والعنوان: «بلى منْ أسْلم وجْهه للّه وهو محْسنٌ، فله أجْره عنْد ربّه، ولا خوْفٌ عليْهمْ ولا همْ يحْزنون» ..

ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم: «لنْ تمسّنا النّار إلّا أيّامًا معْدودةً» .. فقال: «بلى! منْ كسب سيّئةً وأحاطتْ به خطيئته فأولئك أصْحاب النّار همْ فيها خالدون» ..

إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة. طرفيها المتقابلين: «منْ كسب سيّئةً وأحاطتْ به خطيئته» ..

فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة، في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة ..

و «منْ أسْلم وجْهه للّه وهو محْسنٌ» .. فأخلص ذاته كلها للّه، ووجه مشاعره كلها إليه، وخلص للّه في مقابل خلوص الآخر للخطيئة .. «منْ أسْلم وجْهه للّه» .. هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت