وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] فَجَعَل إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ فَمَتَى بَذَلُوهَا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ.
وَبِقَوْل النبي صلى الله عليه وسلم:"وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ". [1]
وَفِي كِتَابِ (الْبَيَانِ) وَغَيْرِهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ. [2]
رُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ:
وَرُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ: إِيجَابٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَصِيغَتُهُ إِمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ يَدُل عَلَيْهِ مِثْل لَفْظِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ عَلَى أُسُسٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِمَّا فِعْلٌ يَدُل عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ، كَأَنْ يَدْخُل حَرْبِيٌّ دَارَ الإِسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَيَمْكُثَ فِيهَا سَنَةً، فَيُطْلَبُ مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُصْبِحَ ذِمِّيًّا.
وَأَمَّا الْقَبُول فَيَكُونُ مِنْ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَلِذَا لَوْ قَبِل عَقْدَ الذِّمَّةِ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ عَقْدِ الأَمَانِ لاَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَيُمْنَعُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنَ الْقَتْل وَالأَسْرِ. [3]
(1) - صحيح مسلم (3/ 1357) 3 - (1731)
(2) - الروضة 10/ 297، وكشاف القناع 3/ 116، والمغني 8/ 504.
(3) - تبيين الحقائق 2/ 276، والقوانين الفقهية ص 175، حاشية الخرشي 3/ 143، وروضة الطالبين 10/ 297، وكشاف القناع 3/ 116، والمغني 8/ 505.