وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا. [1]
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوِ الْبَحْرَيْنِ. عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ لَهُمُ امْرَأَةٌ. فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي ذَلِكَ، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ:"لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ أَصْحَابِي أَخَذُوا مِنَ الْمَجُوسِ، يَعْنِي الْجِزْيَةَ، مَا أَخَذْتُ مِنْهُمْ، وَتَلَا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة:29] الْآيَةَ. قَالَ فَهَذَا حُذَيْفَةُ قَدْ قَالَ فِيهَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَعَوْنِهِ: أَنَّ حُذَيْفَةَ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ، فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ سَمِعَ لَهُمْ وَأَطَاعَهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا مَا عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ" [2] .
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: «مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟» فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» [3]
(1) - بدائع الصنائع 9/ 4329، وتبيين الحقائق 3/ 277، والهداية 2/ 160، ومجمع الأنهر 1/ 670، وحاشية ابن عابدين 4/ 198، والخراج ص 129، والمدونة 1/ 406، والمقدمات على هامش المدونة 1/ 400، والمنتقى 2/ 172، ونهاية المحتاج 8/ 82، وحاشية قليوبي 4/ 229، ومغني المحتاج 4/ 244، وكشاف القناع 3/ 117، والمبدع 3/ 405، والمغني 8/ 498، والمحلى 7/ 567.
(2) - الأموال لابن زنجويه (1/ 136) (124) وشرح مشكل الآثار (5/ 268) (2033) صحيح مرسل
(3) - موطأ مالك ت عبد الباقي (1/ 278) (42) صحيح مرسل