عليْها خراجًا مَعْلُوما، فهُو جِزْيَة، فإِذا أسلم أَهلهَا، سقط عنْهُمْ ذلِك، كَمَا تسْقط جِزْيَة رُءُوسهم، وَيجوز لهُمْ بيعُ تِلْك الْأَرَاضِي، أما إِذا صَالحهمْ على أَن تكون الْأَرَاضِي لأهل الإسْلام، وهُو يسكنونها بخراج مَعْلُوم، وضع عَلَيْهِم، فَذَلِك أُجْرَة الأرْض لَا تسْقط بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يجوز لهُمْ بيعُ شيْء من تِلْك الْأَرَاضِي، لِأَنَّهَا مُلك للمُسْلِمين، وكذلِك إِذا أَرَادَ فتحهَا عنْوَة، وَصَارَت أراضيها للْمُسلمين، فأسكنها المُسْلِمُون جمَاعَة من أهل الذِّمَّة بخراج مَعْلُوم يؤدونه، فَذَلِك لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ.
والتأول الثَّانِي: وهُو أَن الذِّمِّيّ إِذا تمّ عليْهِ الحولُ، فَأسلم قبل أَدَاء جِزْيَة ذلِك الْحول، سقط عَنهُ تِلْك الْجِزْيَة، واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذهب أَكْثَرهم إِلى سُقُوطهَا، رُوِي ذلِك عنْ عُمر، وإِليْهِ ذهب أبُو حنِيفة، وَأَبُو عُبيد، حتّى قَالَ أبُو حنِيفة: لَو مَاتَ الذِّمِّيّ بعد الْحول لَا تُؤْخَذ من تركته، وَعند الشّافِعِي: لَا تسْقط بِالْإِسْلَامِ وَلَا بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ دينٌ حلّ عليْهِ أجلهُ كَسَائِر الدُّيُون، فَأَما إِذا أسلم فِي خلال الْحول، أوْ مَاتَ، فَاخْتلف قولُه فِي أنّهُ هَل يُطَالب بِحِصَّة مَا مضى من الْحول؟ أصح قوليه أنّهُ لَا يُطالب، وَالثَّانِي: يُطَالب كَأُجْرَة الدَّار، ورُوِي عنِ الزُّبيْر بْن عدي، قَالَ: أسلم دهقان على عهد علِي رضِي اللهُ عنْهُ، فَقَالَ لهُ: إِن أَقمت فِي أَرْضك، رفعنَا الْجِزْيَة عنْ رَأسك، وأخذناها من أَرْضك، وَإِن تحولت عنْها، فَنحْن أحقُّ بِها.
قَالَ الإِمامُ: وَوجه عِنْدِي، واللهُ أعْلمُ، أَن تكون الأرْض فَيْئا للْمُسلمين يسكنهَا الذِّمِّيّ بالخراج والجزية، فَتسقط عَنهُ بِالْإِسْلَامِ جِزْيَة رَأسه دُون خراج أرضه، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْأُجْرَة تلْزمهُ مَا دَامَ يسكنهَا، لِأَن مِلكها لغيره. [1]
2 -الإِجْمَاعُ: قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ:"أَجْمَعُوا - يَعْنِي الْفُقَهَاءَ - عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ" [2] .
3 -وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِسْلاَمِ فَلاَ تَبْقَى بَعْدَهُ.
(1) - شرح السنة للبغوي (11/ 176)
(2) - الإجماع لابن المنذر ص 59.