فهرس الكتاب

الصفحة 1302 من 3472

فوضع الله صراط السلامة لعباده المؤمنين من شقاوة هؤلاء وحظوظهم الدنيئة، وارتفع بمستواهم إلى هدف رفيع، متسع الأفق، سامي المقاصد، لا يقبل عبادة الفرد و لاخسة الشهوة، ولا خنوع الخوف، ولا استسلام الذل، ولا طمع المادة، ولا عار التقليد، الذي لا يحس به غيرهم. ... ذلك أنهم لا يلتقون مع عدوهم بهذا الهدف، ولا يستوردون منه أي نظام أو فكرة، بل جميع أفكارهم وتصوراتهم نابعة من معاني هذا الهدف العظيم) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (فسلوكهم السياسي والاجتماعي منحصر على مدلول ذلك، ومنهلهم الثقافي منبثق من ينبوعه، وجميع ارتكازاتهم في سائر نواحي الحياة عليه، واتجاهاتهم شاخصة إليه، يعتقدون الكفاية التامة في وحي الله، والنقص والخسران فيما سواه، ويعتبرون غيرهم مفلسًا ضالًا كافرًا، مستعبدًا لغير الله من بعضه البعض، نشوان بسكر الهوى والعماية.

ذلك السكر المعنوي الذي لا تحصل إفاقة أهله من طريقهم، فيسعون لرفع إفلاسهم الأرضي بالتجارة السماوية، وإلى هدايتهم من الكفر والضلال بها، وإلى تحريرهم من عبودية بعضهم لبعض إلى عبودية الله وحده، ويفيقونهم من سكرهم، بحشو قلوبهم بذكر الله وحبه وتعظيمه، مع محبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وإنارتها بنور الوحي المطهر للضمائر، والمصلح للأعمال، موجبين على أنفسهم أن يكونوا أهل التصدير للهداية إلى جميع المعمورة، متنزهين عن الاستيراد من أحد، باذلين في ذلك أقصى مجهودهم، ومرخصين أموالهم وأرواحهم.

هكذا أصحاب الهدف الرباني الصحيح الذي تمليه هذه الآية الكريمة على أهلها، والذي فهمه الصحابة منها والتابعون لهم بإحسان، ممن انحازوا وتميزوا به عن غيرهم، وقطعوا لتحقيقه الفيافي والقفار، وركبوا متون البحار شرقًا وغربًا، وخاطب قائدهم البحر أمامه بما معناه: لو نعلم أن أناسًا وراءك لمخرناك.

بهذا الهدف الصادق نالوا المجد، وصاغوا الأجيال، وصنعوا المعجزات حتى إذا فترت همتهم وقف زحفهم، وتسلطت عليهم الأعداء بأنواع الغزو العسكري والفكري.""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت