فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 3472

ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة، فكان مأمورا أن يقول: «يا أيّها الْكافرون: لا أعْبد ما تعْبدون .. » فيصفهم بصفتهم ويفاصلهم في الأمر، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه، ولا يدهن فيدهنون، كما يودون! ولا يقول لهم: إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه، بل يقول لهم: إنهم على الباطل المحض، وإنه على الحق الكامل .. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة ..

وهذا النداء، وهذا التكليف، في هذه السورة: «يا أيّها الرّسول بلّغْ ما أنْزل إليْك منْ ربّك - وإنْ لمْ تفْعلْ فما بلّغْت رسالته - واللّه يعْصمك من النّاس .. إنّ اللّه لا يهْدي الْقوْم الْكافرين» ..

يبدو من السياق - قبل هذا النداء وبعده - أن المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هم عليه، وبحقيقة صفتهم التي يستحقونها بما هم عليه .. ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء .. ليسوا على شيء من الدين ولا العقيدة ولا الإيمان .. ذلك أنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ثم فلا شيء مما يدعونه لأنفسهم من أنهم أهل كتاب وأصحاب عقيدة وأتباع دين: «قلْ يا أهْل الْكتاب لسْتمْ على شيْءٍ حتّى تقيموا التّوْراة والْإنْجيل وما أنْزل إليْكمْ منْ ربّكمْ .. » .

وحينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان .. بل ليسوا على شيء أصلا يرتكن عليه! حينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة، كانوا يتلون كتبهم وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون .. ولكن التبليغ الذي كلف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم به، لم يعترف لهم بشيء أصلا مما كانوا يزعمون لأنفسهم، لأن «الدين» ،ليس كلمات تقال باللسان وليس كتبا تقرأ وترتل وليس صفة تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج .. ولما لم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت