قَالَ الْقَاضِي: أَيْ فَمَالُوا مَيْلَةً مِنَ الْحَيْصِ وَهُوَ الْمَيْلُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ أَعْدَاءَهُمْ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْحَمْلَةُ ; أَيْ حَمَلُوا عَلَيْنَا حَمْلَةً وَجَالُوا جَوْلَةً فَانْهَزَمْنَا عَنْهُمْ، (فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ) :وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السَّرِيَّةَ فَمَعْنَاهَا الْفِرَارُ وَالرَّجْعَةُ ; أَيْ: مَالُوا عَنِ الْعَدُوِّ مُلْتَجِئِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء:121] ; أَيْ مَهْرَبًا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الثَّانِيَ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ حَاصَ عَنْهُ عَدَلَ وَحَادَ، يُقَالُ لِلْأَوْبِيَاءِ: حَاصُوا عَنِ الْأَعْدَاءِ وَلِلْأَعْدَاءِ انْهَزَمُوا. وَفِي الْفَائِقِ: فَحَاصَ حَيْصَةً ; أَيِ انْحَرَفَ وَانْهَزَمَ، وَرَوَى: فَجَاضَ جَيْضَةً بِالْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْحَيْدُودَةُ حَذَرًا. وَفِي النِّهَايَةِ: فَحَاصَ الْمُسْلِمُونَ حَيْصَةً ; أَيْ جَالُوا جَوْلَةً يَطْلُبُونَ الْفِرَارَ. (فَاخْتَفَيْنَا بِهَا) :أَيْ فِي الْمَدِينَةِ حَيَاءً (وَقُلْنَا) :أَيْ فِي أَنْفُسِنَا، أَوْ لِبَعْضِنَا (هَلَكْنَا) :أَيْ عَصَيْنَا بِالْفِرَارِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مُطْلَقَ الْفِرَارِ مِنَ الْكَبَائِرِ، ( «ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. قَالَ:"أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ» ) :أَيِ الْكَرَّارُونَ إِلَى الْحَرْبِ وَالْعَطَّافُونَ نَحْوَهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَمَعْنَاهُ الرَّجَّاعُونَ إِلَى الْقِتَالِ (وَأَنَا فِئَتُكُمْ) :فِي النِّهَايَةِ: الْفِئَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي الْأَصْلِ، وَالطَّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ وَرَاءَ الْجَيْشِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ، أَوْ هَزِيمَةٌ الْتَجَئُوا إِلَيْهِ، وَفِي الْفَائِقِ: ذَهَبَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ: أَنَا فِئَتُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال:16] يُمَهِّدُ بِذَلِكَ عُذْرَهُمْ فِي الْفِرَارِ ; أَيْ تَحَيَّزْتُمْ إِلَيَّ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ فِي الْفِرَارِ ; لِأَنَّهُ عَاصٍ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ اهـ. وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. [1] "
وعَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:"أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ" [2]
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2544)
(2) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 131) (18084) فيه انقطاع