الْحَرْبِ كُلَّمَا أَمْكَنَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ، أَوْ أَمَانٍ فَلاَ يَجُوزُ. (ر: أَمَانٌ، عَهْدٌ، هُدْنَةٌ) .
وَفِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى اسْتِعْمَال الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ بَل الاِحْتِيَاجُ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الشَّجَاعَةِ [1] .
وَقَال ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعَ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ، لاَ الْمُوَاجَهَةُ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُول الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ" [2] "
قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: إِذَا دَعَتْ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ إِلَى خِدَاعِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ حَاجَةٌ لاَ مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إِلاَّ بِالْكَذِبِ، فَلاَ بَأْسَ بِالتَّوْرِيَةِ، وَالتَّعْرِيضِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ إِلاَّ أَنْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَخْذِ بَاطِلٍ، أَوْ دَفْعِ حَقٍّ فَيَصِيرُ عِنْدَئِذٍ حَرَامًا. [3]
وَفِي التَّوْرِيَةِ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ،قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا - يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ، حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ" [4] "
(1) - فتح الباري 6/ 158 - 159، المغني 8/ 369.
(2) - المصادر نفسها
(3) - الأذكار للنووي ص 338، فتح الباري 6/ 159.
(4) - صحيح البخاري (4/ 64) (3031) وصحيح مسلم (3/ 1425) 119 - (1801)
[ش (عنانا) أتعبنا. (لتملنه) لتضجرن منه]
معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم- قد ندب أصحابه ودعاهم إلى قتل كعب بن الأشرف، فقال:"من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله"أي من يقتله منكم، ويريحنا من شره وأذاه، ويفوز بأجر ذلك وثوابه، فإنه استحق ذلك لشدة إيذائه لله ورسوله، فتصدى لذلك محمد بن مسلمة غير أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن له في أن يقول لكعب كلامًا ظاهره العداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - احتيالًا عليه، فأذن له - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال في الحديث"فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة"أي إن محمدًا قد فرض علينا هذه الصدقة التي طلبها منا وسمّاها زكاة"وإنه قد عنانا"أي أثقل علينا"وإني أتيتك أستسلفك"أي جئتك لأشتري منك الطعام بالدَّين"قال: وأيضًا والله لتملَّنّهُ"أي فوجد كعب الفرصة سانحة للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم- والنيل منه فقال: والله لترين من محمد الشيء الكثير حتى تمله وتكرهه وتجزع منه"قال: فإنا قد ابتعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه"أي إننا ننتظر ما يكون من شأنه ونترقب ذلك"فقال: نعم ارهنوني"أي إذا أردتم أن أسلفكم، فادفعوا لي رهنًا، وعرض عليهم أن يرهنوه نساءهم، فاعتذروا وقالوا كما في رواية ابن سعد: وأي امرأة تُمنَعَ منك لجمالك، ثم عرض عليهم أن يرهنوه أبناءهم، فاعتذروا بأن ذلك يسيء إلى سمعتهم، ويكون سبة وعارًا عليهم، وعرضوا عليه أن يرهنوه اللامة، وفسرها سفيان بأنها السلاح قال: نعم، وأرادوا بذلك أن لا ينكر عليهم إذا جاؤوه بالسلاح، ولا يشك فيهم"فواعده"محمد بن مسلمة"أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة"ولهذا صحبه معه"فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة"المتأخرة من الليل"وقال: غير عمرو قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر من الدم"أي صوت عدوٍ يريدك"قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة"أي وأخي من الرضاعة أبو نائلة ثم قال:"إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب"أي إن الكريم يجيب من دعاه بالليل، ولا يتأخر عنه، ولو كان في ذلك الخطر على حياته"ويدخل محمد معه رجلين"أي فدخل عليه محمد بن مسلمة، وأدخل معه رجلين والظاهر أنّهما أبو نائلة وعباد بن بشر"فقال": محمد بن مسلمة"ما رأيت كاليوم ريحًا"أي ما شممت أطيب من هذه الرائحة ولا أعطر منها"قال: عندي أعطر نساء العرب"أي أطيبهن عطرًا"فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه"ثم تركه وشغله بالحديث قليلًا"ثم قال أتأذن لي"أن أشمك مرة أخرى"قال: نعم فلما استمكن منه قال دونكم"أي أخذ بفودي رأسه، وأمسك بشعره، وتمكن منه، فقال: اضربوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه. قال: وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاّ وقد أوقدت عليه نار.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: كيف تم قتل كعب ابن الأشرف النبهاني بتدبير محكم، وحيلة ودهاء على يد الصحابي الجليل محمد ابن مسلمة ورفاقه، وكان ذلك في شهر ربيع الأوّل من السنة الثالثة من الهجرة يولية سنة 624 م. وقد أستنكر بعض المستشرقين اغتيال كعب بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكنه استحق ذلك، لأنه خان وغدر، ونقض العهد، ودفعه الغرور بثروته وجاهه وقدرته الشعرية إلى هجو النبي صلى الله عليه وسلم- بأفظع الهجاء، بعد أن عاهده مع أخواله من اليهود فنقض العهد ونشط يهجو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأشعاره، ورحل إلى مكة يبث الدعوة للقتال، قال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف، قد آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهجاء، وركب إلى قريش فاستقواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك الله أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ فقال له كعب: أنتم أهدى منهم سبيلًا، فأنزل الله على رسوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل يشبب بأم الفضل بنت الحارث وبغيرها من نساء المسلمين، وروي أن كعب بن الأشرف صنع طعامًا، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم- إليه، وتواطأ مع جماعة من اليهود على الفتك به إذا حضر هذه الوليمة، فجاء - صلى الله عليه وسلم - ومعه بعض أصحابه فأعلمه جبريل بما دَبَّرَهُ له كعب بن الأشرف فجلس معه النبي صلى الله عليه وسلم- ثم قام فستره جبريل بجناحه، فخرج من بينهم دون أن يراه أحد، فلما فقدوه تفرقوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم-: من ينتدب لقتل كعب. ثانيًا: استدل السهيلي بقوله - صلى الله عليه وسلم:"من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله"على وجوب قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم- وإن كان ذا عهد، خلافًا لأبي حنيفة. ثانيًا: أنه لا بأس بالكذب إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية ومنفعة للمسلمين لقول محمد ابن مسلمة:"إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وإنه قد عنانا"وقوله:"ولكن نرهنك اللامة"أي السلاح وهو لا يريد أن يرهنه شيئًا. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 330)