فهرس الكتاب

الصفحة 1451 من 3472

الْحَنَفِيَّةِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ - لِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالدَّفْعِ عَنْ مُجْتَمَعِ الإِسْلاَمِ، إِلاَّ أَنَّهُ عَلَى الرَّامِي أَلاَّ يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ إِلاَّ الْكُفَّارَ. [1]

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ، وَلاَ يَقْصِدُونَ الْمُتَتَرَّسَ بِهِمْ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي عَدَمِ رَمْيِ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ خَوْفٌ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ، فَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ أَمْ أَقَل، وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ، وَكَانَ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ [2] .

وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ الرَّمْيِ وَقُتِل، وَعُلِمَ الْقَاتِل، فَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، وَالْغَرَامَاتُ لاَ تُقْرَنُ بِالْفَرَائِضِ، خِلاَفًا لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، فَإِنَّهُ يَقُول بِوُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ قَوْلًا وَاحِدًا. أَمَّا الدِّيَةُ فَفِيهَا عَنْهُمْ قَوْلاَنِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ عَلِمَهُ الرَّامِي مُسْلِمًا، وَكَانَ يُمْكِنُ تَوَقِّيهِ وَالرَّمْيُ إِلَى غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِلاَّ بِرَمْيِ الْمُسْلِمِ فَلاَ. [3]

وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّهُ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لاَ دِيَةَ لِأَنَّهُ قُتِل فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ. [4]

وَإِنْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَيَقْصِدُ بِالرَّمْيِ الْمُقَاتِلِينَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.

فعَنْ مَكْحُولٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" [5]

(1) - فتح القدير 5/ 198 ط إحياء التراث العربي، وابن عابدين 3/ 333 ط إحياء التراث العربي، والحطاب 3/ 351 ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي 2/ 178 ط دار الفكر، ونهاية المحتاج 8/ 65،والأم 4/ 287 ط دار المعرفة،

(2) - الحطاب 3/ 351 ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي 2/ 178 ط دار الفكر.

(3) - فتح القدير 5/ 198،والمبسوط 10/ 31 - 65،وشرح الروض 4/ 191،وروضة الطالبين 10/ 246،وقد جعل صاحب نهاية المحتاج القيدين الواردين في الدية واردين في الكفارة أيضا، ونهاية المحتاج 8/ 43،والمغني 8/ 449 - 450.

(4) - المغني 8/ 450.

(5) - الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ (1668) صحيح مرسل

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ 2 حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا"قَالَ أَبُو قِلَابَةَ:"وَكَانَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ"قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ:"فَكَأَنَّهُ كَانَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَصْلُ إِسْنَادِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ رَمْيَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالْمَجَانِيقِ"فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ 2 شَهْرًا. قُلْتُ: فَبَلَغَكَ أَنَّهُ رَمَاهُمْ بِالْمَجَانِيقِ؟ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا يُعْرَفُ هَذَا. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ:"كَذَا قَالَ يَحْيَى إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّ النَّبِيَّ 2 نَصَبَ الْمَجَانِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. أَخْبَرَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنبأ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَسَوِيُّ، ثنا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، فَذَكَرَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ مَكْحُولٌ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ"السُّنَنُ الْكُبْرَى لِلْبَيْهقِيِّ (16623) "

قلت: فقد روي عن علي رضي الله عنه نحوه، والمثبت مقدم على النافي، فلا يقبل كلام يحيى بن أبي كثير رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت