السياسية، ما يخفف من هذا المبدأ العامل في الحياة، فإن سماحة الإسلام، وإنسانية شريعته، قد كان لهما في هذا الباب ما لا يمكن أن يلحق بغباره القوانين الدولية، أو المنظمات الإنسانية .. ذلك أن دعوة الإسلام إلى التسامح، والرفق، والإخاء، دعوة مشدودة إلى ضمير الإنسان، موصوله بإيمانه بالله، بحيث لا يكمل إيمانه إلا بها .. أما ما تحمله القوانين الدولية، وما تنادى به المنظمات الإنسانية، فلا يعدو أن يكون مجرد نصائح ووصايا، تخاطب أذن الإنسان، دون أن تبلغ مواطن الإدراك، أو الوجدان منه.
فالقوة التي يملك بها المسلمون مصائر الأمور في الناس، قوة رحيمة، عادلة .. ومن الخير للناس جميعا، أن تنمو هذه القوة، وأن يمتد سلطانها .. فحيث كانت فهى بر ورحمة، فإذا صارت تلك القوة إلى يد غير مؤمنة بالله، آخذة بشريعته، كانت قوّة ظالمة غشوما، تطلع على الناس كما تطلع العواصف العاتية، لا تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
هذا وكثير من الفقهاء والمفسّرين على أن قوله تعالى: «قاتلوا الّذين لا يؤْمنون باللّه ولا بالْيوْم الْآخر .. الآية» هو أمر ملزم للمسلمين بقتال غير المسلمين، قتالا عاما، في أي حال يجد فيها المسلمون قدرة على القتال. بمعنى أنهم يكونون في حرب دائمة مع غير المسلمين، حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. على الوجه الذي أشرنا إليه. [1]
هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من {الّذين لا يؤْمنون باللّه ولا بالْيوْم الآخر} إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم. ولا يحرمون ما حرم الله، فلا يتبعون شرعه في تحريم المحرمات، {ولا يدينون دين الْحقّ} أي: لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا أنهم على دين، فإنه دين غير الحق، لأنه إما بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه الله أصلا وإما دين منسوخ قد شرعه الله، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ،فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز.
فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس، بسبب أنهم أهل كتاب.
(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 732)