فهرس الكتاب
فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْهِدَايَةِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ" [1] "
وقال بعض العلماء، يجبُ كلما أمكن- ذلك -،قال الحاقظ ابن حجر:"وَيَتَأَدَّى فَرْض الْكِفَايَة بِفِعْلِهِ فِي السَّنَة مَرَّة عِنْد الْجُمْهُور، وَمِنْ حُجَّتهمْ أَنَّ الْجِزْيَة تَجِب بَدَلًا عَنْهُ وَلَا تَجِبُ فِي السَّنَة أَكْثَر مِنْ مَرَّة اِتِّفَاقًا فَلْيَكُنْ بَدَلهَا كَذَلِكَ، وَقِيلَ يَجِب كُلَّمَا أَمْكَنَ وَهُوَ قَوِيّ، وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أَنْ تَكَامَلَتْ فُتُوح مُعْظَم الْبِلَاد وَانْتَشَرَ الْإِسْلَام فِي أَقْطَار الْأَرْض ثُمَّ صَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْره، وَالتَّحْقِيق أَيْضًا أَنَّ جِنْس جِهَاد الْكُفَّار مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلّ مُسْلِم إِمَّا بِيَدِهِ وَإِمَّا بِلِسَانِهِ وَإِمَّا بِمَالِهِ وَإِمَّا بِقَلْبِهِ وَاَللَّه أَعْلَم." [2]
وقال الإمام النووي:"قَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَلْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَمْ فَرْضَ عَيْنٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) الْآيَةَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ مُسْتَقِرِّينَ فِي بُلْدَانِهِمْ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ مِنْهُ، أَثِمُوا، وَهَلْ يَعُمُّهُمُ الْإِثْمُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالَّذِينِ يَدْنُوَا إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ."
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْأَعْذَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قَامَ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِشَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْحِنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكَافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِإِحْكَامِ الْحُصُونِ وَحَفْرِ الْخَنَادِقِ وَنَحْوِهِمَا، وَيُرَتِّبُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا كَافِيًا يُقَلِّدُهُ الْجِهَادَ وَأُمُورَ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ دَارَ الْكُفْرِ غَازِيًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِجَيْشٍ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِي
(1) - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 8)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 38)