فهرس الكتاب
وَمِنْهَا: الْفَقْرُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ سِلَاحٍ وَأَسْبَابِ الْقِتَالِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ نَفَقَةَ طَرِيقِهِ ذِهَابًا وَرُجُوعًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الْقِتَالُ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، أَوْ حَوَالَيْهِ، سَقَطَ اشْتِرَاطُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَيُشْتَرَطُ وِجْدَانُ رَاحِلَةٍ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ جَمِيعِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَجِّ، وَكُلُّ عُذْرٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ، يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ إِلَّا أَمْنَ الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ شُرِطَ هُنَاكَ وَلَا يُشْتَرَطُ هُنَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْغَزْوِ عَلَى رُكُوبِ الْمَخَاوِفِ، هَذَا إِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ طَلَائِعِ الْكُفَّارِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ مُتَلَصِّصِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ بَذَلَ لِلْفَاقِدِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، إِلَّا أَنْ يَبْذُلَهُ الْإِمَامُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيُجَاهِدَ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ حَقَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ الْجِهَادُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجِهَادَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا جِهَادَ عَلَى رَقِيقٍ وَإِنْ أَمْرَهُ سَيِّدُهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْقِتَالُ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ الْمُسْتَحَقِّ لِلسَّيِّدِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى رُوحِهِ إِذَا لَمْ نُوجِبُ الدَّفْعَ عَنِ الْغَيْرِ، بَلِ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِصْحَابُهُ فِي سِفْرِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ لِيَخْدِمَهُ وَيَسُوسَ دَوَابَّهُ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِمْ." [1] "
فقد ظهر من ذلك كله أن الجهاد في الإسلام قد مر بمراحل كانت نهايتها الأمر بقتال المشركين سواء بدؤونا بقتال أم لا، وكان ذلك الحكم ناسخًا لما قبله من الأحكام،.
على أن أمر القتال قد استقر عند فرضية قتال المشركين كافة، وأن ذلك الحكم قد نسخ ما قبله.
وأما النوع الثاني من نوعي الجهاد فهو: جهاد الدفع:
وهو الذي يدفع به عدوان الكفار على أرض الإسلام، أو على دماء المسلمين أو أعراضهم أو حرماتهم، وهو فرضُ عينٍ على كلِّ قادر محتاج إليه لردِّ العدوان، والدليلُ عليه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ
(1) - روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 208)