يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ وَفِيهِمِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: الْقَشْعُ: النِّطْعُ - مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي السُّوقِ، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ» ،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْغَدِ فِي السُّوقِ، فَقَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ» ،فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ" [1] "
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْقَاذَ مُسْلِمٍ مُتَحَقِّقٌ إِسْلاَمُهُ فَاحْتُمِل تَفْوِيتُ مَا يُرْجَى مِنْ إِسْلاَمِهَا الْمَظْنُونِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَال فَوَاتِهَا لِتَحْصِيل الْمَال، فَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَقَال أَحْمَدُ: لاَ يُفَادَى بِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِ سَابِيهِ فَلاَ يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِإِسْلاَمِهِ كَالَّذِي سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ لَمْ يَجُزْ فِدَاؤُهُ بِمَالٍ، وَهَل يَجُوزُ فِدَاؤُهُ بِمُسْلِمٍ؟ يُحْتَمَل وَجْهَيْنِ. وَفِي الأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِأَبِي يَعْلَى: وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ الْفِدَاءُ لِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَابِتٌ فِي السَّبْيِ فَلَمْ تَجْرِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ السَّبْيِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَالْفِدَاءُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ.
وَإِذَا فَادَى الإِمَامُ بِالأُسَارَى عَوَّضَ الْغَانِمِينَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ [2] .
ج - الْمَنُّ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَنِّ عَلَى السَّبْيِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مَا جَاءَ فِي أَغْلَبِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. فَفِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ
(1) - صحيح مسلم (3/ 1375) 46 - (1755)
[ش (فعرسنا) التعريس نزول آخر الليل (شن الغارة) أي فرقها (عنق من الناس) جماعة (فيهم الذراري) يعني النساء والصبيان (قشع) في القاف لغتان فتحها وكسرها وهما مشهورتان وفسره في الكتاب بالنطع وهو صحيح (وما كشفت لها ثوبا) كناية عن الوقاع (لله أبوك) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها مثل قولهم لله درك فإن الإضافة إلى العظيم تشريف فإذا وجد من الولد ما يحمد يقال لله أبوك حيث أتى بمثلك]
(2) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء (ص:144) و المغني 8/ 372، 376، 377