مسْلمًا منْ أهْل ديننا انْتقل إلى ملّةٍ غيْرها، فإنّه لا يقرّ على ما دان به فانْتقل إليْه، ولكنْ يقْتل لردّته عن الْإسْلام ومفارقته دين الْحقّ، إلّا أنْ يرْجع قبْل الْقتْل إلى الدّين الْحقّ، وفساد ما خالفه منْ قوْل منْ زعم أنّه لا يحْكم بحكْم أهْل الْكتابيْن لمنْ دان بدينهمْ، إلّا أنْ يكون إسْرائيليًّا أوْ منْتقلًا إلى دينهمْ منْ غيْرهمْ قبْل نزول الْفرْقان. فأمّا منْ دان بدينهمْ بعْد نزول الْفرْقان ممّنْ لمْ يكنْ منْهمْ ممّنْ خالف نسبه نسبهمْ وجنْسه جنْسهمْ، فإنّه حكْمه لحكْمهمْ مخالفٌ" [1] "
وعنْ محمّد بْن سيرين، قال: قال عبْد اللّه بْن عتْبة: ليتّق أحدكمْ أنْ يكون، يهوديًّا أوْ نصْرانيًّا وهو لا يشْعر، قال: فظننّاه أنّه يريد هذه الْآية {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الْيهود والنّصارى أوْلياء بعْضهمْ أوْلياء بعْضٍ ومنْ يتولّهمْ منْكمْ فإنّه منْهمْ} [المائدة:51] [2]
وقال الشنقطي رحمه الله:"قوْله تعالى: ومنْ يتولّهمْ منْكمْ فإنّه منْهمْ ذكر في هذه الْآية الْكريمة، أنّ منْ تولّى الْيهود والنّصارى من الْمسْلمين، فإنّه يكون منْهمْ بتولّيه إيّاهمْ، وبيّن في موْضعٍ آخر أنّ تولّيهمْ موجبٌ لسخْط اللّه، والْخلود في عذابه، وأنّ متولّيهمْ لوْ كان مؤْمنًا ما تولّاهمْ، وهو قوْله تعالى: ترى كثيرًا منْهمْ يتولّوْن الّذين كفروا لبئْس ما قدّمتْ لهمْ أنْفسهمْ أنْ سخط اللّه عليْهمْ وفي الْعذاب همْ خالدون ولوْ كانوا يؤْمنون باللّه والنّبيّ وما أنْزل إليْه ما اتّخذوهمْ أوْلياء ولكنّ كثيرًا منْهمْ فاسقون [5\ 80،81] ."
ونهى في موْضعٍ آخر عنْ تولّيهمْ مبيّنًا سبب التّنْفير منْه ; وهو قوْله: يا أيّها الّذين آمنوا لا تتولّوْا قوْمًا غضب اللّه عليْهمْ قدْ يئسوا من الْآخرة كما يئس الْكفّار منْ أصْحاب الْقبور [60\ 13] .
وبيّن في موْضعٍ آخر: أنّ محلّ ذلك، فيما إذا لمْ تكن الْموالاة بسبب خوْفٍ، وتقيّةٍ، وإنْ كانتْ بسبب ذلك فصاحبها معْذورٌ، وهو قوْله تعالى: لا يتّخذ الْمؤْمنون الْكافرين أوْلياء منْ دون الْمؤْمنين ومنْ يفْعلْ ذلك فليْس من اللّه في شيْءٍ إلّا أنْ تتّقوا منْهمْ تقاةً [3\ 28] ،فهذه الْآية الْكريمة فيها بيانٌ لكلّ الْآيات الْقاضية بمنْع موالاة الْكفّار مطْلقًا وإيضاحٌ
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (8/ 508)
(2) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (4/ 1156) (6511) صحيح مقطوع