رَسُولَ اللَّهِ (52 آ) هَؤُلَاءِ الْفَرَّارِينَ فَنَقْتُلُهُمْ كَمَا قَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم:عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ».
وَأَيَّةُ حَاجَةٍ إلَى قِتَالِ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَاجَةِ حِين فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْلَمُوهُ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَمْنَعْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْضُرَ مِنْهُنَّ الْحَرْبَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَطْبُخُ لِلْغُزَاةِ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ مُشَمِّرَاتٍ، يَحْمِلْنَ الْمَاءَ لِلْمُجَاهِدِينَ يَرْتَجِزْنَ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ، وَالْمُرَادُ الْعَجَائِزُ، فَالشَّوَابُّ يُمْنَعْنَ عَنْ الْخُرُوجِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَالْحَاجَةِ تَرْتَفِعُ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ.
وَذُكِرَ عَنْ «أُمِّ مُطَاعٍ، وَكَانَتْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: رَأَيْت أَسْلَمَ، حَيْثُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَلْقَوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ فَنَدَبَهُمْ إلَى الْجِهَادِ فَنَهَضُوا. وَلَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ أَوَّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ فَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ بِالنَّطَاةِ» .فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ لِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [1]
قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إذْن مَوْلَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ (55 آ) الْخُرُوجِ عِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ كَفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى لِلْعَبْدِ مِمَّا مَلَكَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْعَبْدِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ مِلْكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَبَيَّنَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقٍ الْأَوْلَى.
وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ إذَا كَانَتْ بِهِنَّ قُوَّةُ الْقِتَالِ فَلْيَخْرُجْنَ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا صَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ أُحُدٍ: «لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَسَمَّى جَمَاعَةً مِنْ الَّذِينَ فَرُّوا» .وَكَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَاسْتَحْسَنَ قِتَالَ
(1) - شرح السير الكبير (ص:184)