فهرس الكتاب

الصفحة 1804 من 3472

ولما كان إعداد العدة يقتضي أموالا، وكان النظام الإسلامي كله يقوم على أساس التكافل، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله: «وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ - يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» ..

وهكذا يجرد الإسلام الجهاد والنفقة في سبيله، من كل غاية أرضية، ومن كل دافع شخصي ومن كل شعور قومي أو طبقي، ليتمحض خالصا لله «في سبيل الله» لتحقيق كلمة الله، ابتغاء رضوان الله.

ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه - منذ الوهلة الأولى - كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول.

وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق. وكل حرب تقوم للقهر والإذلال. وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن، أو قوم على قوم، أو جنس على جنس، أو طبقة على طبقة .. ويستبقي نوعا واحدا من الحركة .. حركة الجهاد في سبيل الله .. والله - سبحانه - لا يريد تسويد جنس ولا وطن ولا قوم ولا طبقة ولا فرد ولا شعب. إنما يريد أن تسود ألوهيته وسلطانه وحاكميته. وهو غني عن العالمين. ولكن سيادة ألوهيته هي وحدها التي تكفل الخير والبركة والحرية والكرامة للعالمين.

والحكم الثالث في هذه النصوص هو الحكم المتعلق بمن يريدون المهادنة والموادعة للمعسكر الإسلامي ويجنحون إلى السلم والمسالمة وتدل ظواهرهم وأفعالهم على رغبتهم في السلم حقا: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .

والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح، تعبير لطيف، يلقي ظل الدعة الرقيق. فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم، ويرخي ريشه في وداعة! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على الله السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر. وفي التوكل عليه الكفاية والأمان.

وبالعودة إلى تلخيص الإمام ابن القيم لطوائف الكفار ومواقفهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموقفه كذلك منهم، أول العهد بالمدينة إلى يوم بدر ونزول هذا الحكم، يتبين أن هذا النص يتعلق بالفريق الذي اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقاتله وجنح إلى السلم ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت