عليْهمْ وفي الْعذاب همْ خالدون (80) ولوْ كانوا يؤْمنون بالله والنّبيّ وما أنزل إليْه ما اتّخذوهمْ أوْلياء ولكنّ كثيرًا مّنْهمْ فاسقون (81) المائدة
لعن الله الذين كفروا منْ بني إسْرائيل في الزّبور والإنْجيل، فقدْ لعن داود، عليْه السّلام، منْ اعْتدى منْهمْ في السّبْت، أوْ لعن العاصين المعْتدين منْهمْ عامّةً، وكذلك لعنهمْ عيسى بن مرْيم، وسبب ذلك اللّعْن هو تماديهمْ في العصْيان، وتمرّدهمْ عنْ طاعة الله، وتماديهمْ في الظّلْم والفساد (بما كانوا يعْتدون) .
فقدْ كانوا لا ينْهى أحدٌ منْهمْ أحدًا عن منْكرٍ يقْترفه مهْما بلغ من القبْح والضّرر. والنّهي عن المنْكر هو حفاظ الدّين، وسياج الفضائل والآداب، فإذا تجرّأ المسْتهْترون على إظْهار فسْقهمْ وفجورهمْ، ورآهم الغوْغاء من النّاس قلّدوهمْ فيه، وزال قبْحه منْ نفوسهمْ، وصار عادةً لهمْ، وزال سلْطان الدّين منْ قلوبهمْ، وتركتْ أحْكامه وراء ظهورهمْ، وفي ذلك إشارةٌ إلى فشْو المنْكرات فيهمْ. ويقبّح الله تعالى سوء فعْلهمْ، ويذمّهمْ على اقْتراف المنْكرات، وإصْرارهمْ عليْها وسكوت الآخرين عنْها، ورضاهمْ بها.
وترى يا محمّد كثيرًا منْ بني إسْرائيل، يتولّوْن الذين كفروا منْ مشْركي العرب ويحالفونهمْ عليْك، ويحرّضونهمْ على قتالك، وأنْت تؤْمن بالله، وبما أنْزل الله على رسله وأنْبيائه، وتشْهد لهمْ بصدْق الرّسالة، وأولئك لا يؤْمنون بكتابٍ ولا رسولٍ، ولا يعْبدون الله وحْده، ولولا اتّباع الهوى، وتزْيين الشّيْطان لهمْ أعْمالهمْ، ما فعلوا ذلك، فبئْس ما قدّموه لأنْفسهمْ في آخرتهمْ من الأعْمال التي اسْتوْجبتْ سخط الله، وعظيم غضبه عليْهمْ، وسيجْزوْن على ذلك شرّ الجزاء، وسيحيط بهم العذاب، ولا يجدون عنْه مصْرفًا، ويخْلدون في النّار أبدًا.
ولوْ كان هؤلاء اليهود، الذين يتولّوْن الكافرين منْ مشْركي العرب، يؤْمنون بالنّبيّ الذي يدّعون اتّباعه (وهو موسى عليْه السّلام) ،وما أنْزل إليْه من الهدى والبيّنات، لما اتّخذوا أولئك الكافرين منْ عابدي الأوْثان، أوْلياءً وأنْصارًا، ولكانتْ عقيدتهمْ الدّينيّة صدّتْهمْ عنْ ذلك، ولكنّ كثيرًا منْهمْ متمرّدون في النّفاق، خارجون عنْ حظيرة الدّين، ولا يريدون إلاّ الجاه والرّياسة، ويسْعوْن إلى تحْصيلهما بأيّة طريقةٍ كانتْ، وبأيّة وسيلةٍ قدروا عليْها. [1]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:748، بترقيم الشاملة آليا)