أَفْشُوا):بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ; أَيْ: أَشِيعُوا وَعَمِّمُوا (السَّلَامَ) :أَيْ: رُدُّوهُ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَالْمُرَادُ بِهِ السَّلَامُ وَفَرْضِيَّةُ الْجَوَابِ مَفْهُومَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} [النساء:86] الْآيَةَ. وَهَذِهِ سُنَّةٌ أَفْضَلُ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَهِيَ مِنْ غَرَائِبِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ إِظْهَارُهُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ، أَوْ إِشَاعَتُهُ بِأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ تَرَاهُ عَرَفْتَهُ أَوْ لَمْ تَعْرِفْ اه. وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي ; لِأَنَّ السَّلَامَ مَعَ عَدَمِ إِظْهَارِهِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ لَا يُسَمَّى سَلَامًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ إِفْشَاءً لِلسَّلَامِ. (وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ) :فَإِنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْكِرَامِ، لَا سِيَّمَا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ (وَاضْرِبُوا الْهَامَ) :جَمْعُ هَامَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ الثَّانِي ; أَيِ: اقْطَعُوا رُءُوسَ الْكُفَّارِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِهَادِ فِي الْإِسْلَامِ (تُورَثُوا) :بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنِ الْإِيرَاثِ ; أَيْ: تُعْطَوْا فِي مُقَابَلَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْخِصَالِ الْعِظَامِ (الْجِنَانَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ; أَيْ: جَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي دَارِ السَّلَامِ قَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72] قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِضَرْبِ الْهَامِ الْجِهَادُ، وَلَمَّا كَانَتْ أَفْعَالُهُمْ هَذِهِ تَخْلُفُ عَلَيْهِمُ الْجِنَانَ فَكَأَنَّهُمْ وَرِثُوهَا مِنْهَا. قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ارْتِكَابِ الْمُجَاهَدَاتِ وَتَرْكِ الْمُشْتَهَيَاتِ لِكَوْنِهَا مِنَ التَّكْلِيفَاتِ الْمَكْرُوهَاتِ تُعَدُّ مِنَ الْمُصِيبَاتِ الَّتِي تُورِثُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ وَالثَّمَرَاتِ الطَّيِّبَاتِ، تَشْبِيهًا بِمَنْ فَاتَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَحَصَلَ لَهُ مَنْ إِرْثِهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْأَجَانِبِ" [1] "
وقال المناوي:" (واضربوا الهام) أي رؤوس الكفار جمع هامة بالتخفيف الرأس قال الزين العراقي اقتصر فيه على ضرب الهام لأن ضرب الرؤوس مفض للهلاك بخلاف بقية البدن قإنه تقع فيه الجراح ويبرأ صاحبها فإذا فسد الدماغ هلك صاحبه" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم،فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: قَدْ حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم،فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2475)
(2) - فيض القدير (2/ 23)