فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا" [1] "
فهذه المعسكرات تشكل فرصة ليبدأ الإنسان حياة جديدة خالية مما يُكَدِّر عليه صفو صلته بالله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: [الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب مَوْقُوف على هجر العوائد وَقطع الْعَوَائِق، فالعوائد السّكُون إِلَى الدعة والراحة وَمَا أَلفه النَّاس واعتادوه من الرسوم والأوضاع الَّتِي جعلوها بِمَنْزِلَة الشَّرْع المتّبع بل هِيَ عِنْدهم أعظم من الشَّرْع، فَإِنَّهُم يُنكرُونَ على من خرج عَنْهَا وخالفها مَا لَا يُنكرُونَ على من خَالف صَرِيح الشَّرْع، وَرُبمَا كفّروه أَو بدّعوه وضلّلوه أَو هجروه وعاقبوه لمُخَالفَة تِلْكَ الرسوم، وأماتوا لَهَا السّنَن ونصبوها أندادا للرسول يوالون عَلَيْهَا ويعادون فالمعروف عِنْدهم مَا وافقهم وَالْمُنكر مَا خالفها.
وَهَذِه الأوضاع والرسوم قد استولت على طوائف بني آدم من الْمُلُوك والولاة وَالْفُقَهَاء والصوفية والفقراء والمطوعين والعامة فربي فِيهَا الصَّغِير وَنَشَأ عَلَيْهَا الْكَبِير، واتخذت سننًا بل هِيَ أعظم عِنْد أَصْحَابهَا من السّنَن الْوَاقِف مَعهَا مَحْبُوس والمتقيّد بهَا مُنْقَطع، عمّ بهَا الْمُصَاب وهجر لأَجلهَا السّنة وَالْكتاب، من استنصر بهَا فَهُوَ عِنْد الله مخذول وَمن اقْتدى بهَا دون كتاب الله وَسنة رَسُوله فَهُوَ عِنْد الله غير مَقْبُول وَهَذِه أعظم الْحجب والموانع بَين العَبْد وَبَين النّفُوذ إِلَى الله وَرَسُوله.
وَأما الْعَوَائِق فَهِيَ أَنْوَاع المخالفات ظَاهرهَا وباطنها فَإِنَّهَا تعوق الْقلب عَن سيره إِلَى الله وتقطع عَلَيْهِ طَرِيقه، وَهِي ثَلَاثَة أُمُور شرك وبدعة ومعصية فيزول عائق الشّرك بتجريد التَّوْحِيد وعائق الْبِدْعَة بتحقيق السّنة وعائق الْمعْصِيَة بتصحيح التَّوْبَة وَهَذِه الْعَوَائِق لَا تتبين للْعَبد يَأْخُذ فِي أهبة السّفر ويتحقق بالسير إِلَى الله وَالدَّار وَالْآخِرَة فَحِينَئِذٍ تظهر لَهُ
(1) - صحيح مسلم (4/ 2119) 47 - (2766)