فهرس الكتاب
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا:"عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَكَانَ النَّبِيُّ يَجِيءُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلٌ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا رَجُلَانِ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَلَمَّا دَنَوْا إِذَا هُمْ قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ كَادُوا يَمْلَئُونَ أُفُقَ السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟،فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ فَفَرِحْتُ وَاسْتَبْشَرْتُ، فَقِيلَ لِيَ: انْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَّادٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ فَقِيلَ لِي: مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [1]
وقال تعالى عن حجة الكافرين: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } [سبأ:] ،فلا تستوحش طريق الحق وإن قل سالكوه، ولا تغتر بطرق الباطل وإن كثر الهالكون، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110] .
يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَتَرَاخَى نَصْرُ اللهِ عَنِ الرُّسُلِ، وَأَنْ يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبِ مِنْ قَوْمِهِمْ، حَتَّى إِذَا زُلْزِلَتِ النُّفُوسُ، وَاسْتَشْعَرَتِ القُنُوطَ وَاليَأْسَ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي نَصْرُ اللهِ، فَيُنَجِّي مَنْ يَشَاءُ اللهُ إِنْجَاءَهُ، وَيُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ إِهْلاَكَهُ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدٌ بَأْسَ اللهِ وَعِقَابَهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ .. [2]
ومما يدخل في الصبر، الصبر على ضعف أتباع الحق وفقرهم وقِلة حيلتهم، فإن هؤلاء هم أتباع الرسل، وهم كتيبة الحق التي يتنزل عليها النصر، فهم أرق أفئدة وأقرب إلى الله تعالى، وأبعد من الدنيا وزخرفها، وأسرع إلى البذل والتضحية، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ
(1) - الإيمان لابن منده (2/ 897) (979) صحيح
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1707،بترقيم الشاملة آليا)