يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ مَا قَالُوا رَدًّا عَلَى اعْتِرَاضِهِمْ هَذَا: إِنَّ أَمْرَ اخْتِيَارِ الأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مَرْدُودًا إِلَيْهِم حَتَّى يَقْتَرِحُوا عَلَى اللهِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ هُمْ، وَلَكِنَّ الأَمْرَ للهِ، وَحْدَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَته، فَهُوَ لاَ يُنَزِّلُهَا إِلاَّ عَلَى أَزْكَى الخَلْقِ قَلْبًا وَنَفْسًا، وَأَشْرَفِهِمْ بَيْتًا، وَأَطْهَرِهِمْ أَصْلًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ العِبَادِ عَلَى بَعْضٍ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا: فِي القُوَّةِ والغِنَى وَالشُّهْرَةِ والنَّشَاطِ، لأَنَّهُ لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمْ جَمِيعًا فِي شُرُوطِ الحَيَاةِ لَمْ يَخْدُمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَمْ يَسْتَخْدِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحْدًا، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ فَسَادُ نِظَامِ الحَيَاةِ. وَرَحْمَةُ اللهِ بِخَلْقِهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأَمْوَالِ، والمَتَاعِ فِي الحِيَاةِ الدُّنْيَا. [1]
وسَأَل هرقل أبا سفيان لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ [2] ..
وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .
وَاجْلِسْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ فَضْلِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، سَواءً كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُقَالُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ حِينَ طَلَبُوا مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ لاَ يُجَالِسِ الفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ) .ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ لاَ يُجَاوِزَ هؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّرَفِ وَالثَّرْوَةِ، وَبِأَنْ لاَ يُطِيعَ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيا عَنِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4235،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (1/ 9) (7)
"قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم"أي هل أكثر أتباعه السادة والقادة من أهل الكبر والخيلاء، أم المساكين والأحداث والفقراء."قلت: بل ضعفاؤهم"أي بل أكثر أتباعه الضعفاء. قال ابن حجر: وهو محمول على الأكثر والأغلب، فإنه غالبًا ما يتبعه المستضعفون كبلال وعمار وصهيب وغيرهم الذين لا منافسة ولا حسد عندهم أما أصحاب الحسد كأبي جهل فهم أبعد الناس عنها قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون"ويتكاثر عددهم. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 59) "