خِلاَفٍ، وَسَيَصْلِبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لأَنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأَذْنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ -.وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى إِلاَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنُوا بِهِ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنْ يَضْطَرُّوهُمْ بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِلَى الرُّجُوعِ عَنِ الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ (يَفْتِنَهُمْ) ،وَذَلِكَ لأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُسْتَكْبِرًا مُتَعَالِيًا فِي الأَرْضِ، مُسْرِفًا فِي كُفْرِهِ، وَفِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَمُبَالِغًا فِيهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ. [1]
وهذا هو الإيمان في الخوف الذي فَرَّق الله تعالى به بين الصحابة أنفسهم، فجعل الفتح (وهو صلح الحديبية في آية الحديد السابقة) جعله سبحانه فُرقانا بين الصحابة، فكانت منزلة من آمن قبل الحديبية أعظم من منزلة من آمن بعدها، ذلك لأن الحديبية كان فرقانا بين الخوف قبلها والأمن بعدها، إذ أَمِنَ الناسُ بعد الصلح ودخل في عامين (6 ـ 8هـ) أضعاف من دخله في تسعة عشر عاما (من البعثة إلى الصلح في 6 هـ) ،فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ألف وأربعمائة صحابي، وكان معه يوم فتح مكة ـ بعد الحديبية بعامين ـ عشرة آلاف صحابي رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا تتبين لك منزلة الإيمان على الخوف، فليحرص المسلم على فضيلة السبق والمبادرة ولا يثبطه الشيطان عن ذلك بمشقة الطريق وبقلة عدد سالكيه وضعفهم، وببطش أعدائهم فإن الحق غالب لا محالة، قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21]
قَدْ قَضَى اللهُ تَعَالَى، وَحَكَمَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، بِأَنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ سَتَكُونُ لَهُ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ وِلِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَضَاءُ اللهِ نَافِذٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لَهُ، وَاللهُ قَوِيٌ لاَ يُقْهَرُ، عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ. [2]
وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لا بد أن يكون على الرغم مما قد يبدو أحيانا من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1448،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5003،بترقيم الشاملة آليا)