إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) [آل عمران] ،فأكل الربا إضرار بالناس فنهى سبحانه عنه ثم أتبعه بالإحسان إلى الناس بالنفقة في العسر واليسر. وكذلك قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ،فبدأ سبحانه ببيان كف الأذى عن الناس (بكظم الغيظ) ثم إيصال النفع إليهم (بالعفو والإحسان) .وهذا التقسيم والترتيب يتفق مع القاعدة الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المنافع) .
قال ابن رجب الحنبلي: [وَمِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ: لِيَكُنْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْكَ ثَلَاثَةً: إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْرِحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ، وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ.] [1] .
قلت: وهذا الكلام يبين الحد الأدنى المطلوب من المسلم في معاملته لإخوانه هو أن يكف أذاه عنهم.
ومحاسن الأخلاق ترجع ـ فيما أرى ـ إلى أصلين:
الأول: الحياء: عَنْ أَبِي السَّوَّارِ العَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ:"مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً"فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ» [2] .
ومعلوم أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [3]
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 283)
(2) - صحيح البخاري (8/ 29) (6117) وصحيح مسلم (1/ 64) 60 - (37)
[ش (بشير) العدوي البصري تابعي جليل رحمه الله تعالى. (الحكمة) أي في كتب الحكمة وهي التي تبحث في أحوال وحقائق الموجودات ولعلها ما يسمى الآن بعلم الفلسفة والأخلاق. (وقارا) حلما ورزانة. (سكينة) هدوءا وطمأنينة]
(3) - صحيح البخاري (1/ 11) (9)
[ش (بضع) ما بين اثنين إلى عشرة. (ستون) عند مسلم (سبعون) ولا تعارض بين الروايتين قال النووي فإن العرب قد تذكر للشيء عددا ولا تريد في نفي ما سواه. (شعبة) خصلة والشعبة واحدة الشعب وهي أغصان الشجرة وهو تشبيه للإيمان وخصاله بشجرة ذات أغصان لا تتكامل ثمرتها إلا بتوفر كامل أغصانها. (الحياء) صفة في النفس تحمل على فعل ما يحمد وترك ما يذم عليه ويعاب]