فهرس الكتاب

الصفحة 1992 من 3472

أَمْكَنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ يَقَعُ بِالتَّعَرُّضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ بَلْ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ آكَدُ مِنْ الشَّجَاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعْنَى"الْحَرْبُ خُدْعَةٌ":أَيْ الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ لَا الْمُوَاجَهَةُ وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَلِحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ. [1]

ويصل كتمان الأسرار إلى إباحة الكذب إن لم يمكن كتم السر إلا بذلك، وهذا فيما يتعلق بالحرب والجهاد خاصة. فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عُقْبَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَقُولَ: خَيْرًا أَوْ يُنَمِّيَ خَيْرًا"وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ:"فِي الْحَرْبِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" [2]

وهذا كله فيما يتعلق بكف الأذى عن الناس وهو الأول من قسمي معاملتهم.

(1) - نيل الأوطار (7/ 277)

(2) - عشرة النساء للإمام للنسائي - الطبعة الثالثة (ص:150) 224 - 7879 - وصحيح مسلم (4/ 2011) 101 - (2605)

قالَ الطَّبَرِيُّ: ذَهَبَت طائِفَة إِلَى جَواز الكَذِب لِقَصدِ الإِصلاح وقالُوا: إِنَّ الثَّلاث المَذكُورَة كالمِثالِ، وقالُوا: الكَذِب المَذمُوم إِنَّما هُو فِيما فِيهِ مَضَرَّة، أَو ما لَيسَ فِيهِ مَصلَحَة.

وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوز الكَذِب فِي شَيء مُطلَقًا وحَمَلُوا الكَذِب المُراد هُنا عَلَى التَّورِيَة والتَّعرِيض كَمَن يَقُول لِلظّالِمِ: دَعَوت لَك أَمسِ، وهُو يُرِيد قَوله اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُسلِمِينَ. ويَعِد امرَأَته بِعَطِيَّةِ شَيء ويُرِيد إِن قَدَّرَ الله ذَلِكَ. وأَن يُظهِر مِن نَفسه قُوَّة.

قُلت: وبِالأَوَّلِ جَزَمَ الخَطّابِيُّ وغَيره، وبِالثّانِي جَزَمَ المُهَلَّب والأَصِيلِيّ وغَيرهما.

واتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المُراد بِالكَذِبِ فِي حَقّ المَرأَة والرَّجُل إِنَّما هُو فِيما لا يُسقِط حَقًّا عَلَيهِ أَو عَلَيها أَو أَخذ ما لَيسَ لَهُ أَو لَها.

وكَذا فِي الحَرب فِي غَير التَّأمِين. واتَّفَقُوا عَلَى جَواز الكَذِب عِند الاضطِرار، كَما لَو قَصَدَ ظالِم قَتل رَجُل وهُو مُختَفٍ عِنده فَلَهُ أَن يَنفِي كَونه عِنده ويَحلِف عَلَى ذَلِكَ ولا يَأثَم. والله أَعلَم. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (5/ 300)

ـــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت