وأعلى من هذا درجة الإيثار، وأعلى منه الإيثار مع الحاجة وهو المذكور في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] .
قلت: أعلم أن التكافل ركن هام من أركان المجتمع المسلم والجماعة المسلمة، إن الأمة المسلمة أمة مجاهدة، وإذا قام الجهاد فعليا فإن المجتمع المسلم سيتخذ نمطا جديدا، فالتجهيز للجهاد وإعداد المجاهدين يلزمه نفقة .. ،وذكرت هناك أن الجهاد بالمال قُدِّم على الجهاد بالنفس في جميع الآيات إلا آية واحدة، وذلك لأن الجهاد بالنفس لا يتأتى إلا بعد بذل المال، كذلك فإن الجهاد يخلف أيتاما وأرامل لابد من كفالتهم حتى يستمر الجهاد، فإن المسلم إذا علم أن أبناءه سيضيعون من بعده فقد يقعد عن الجهاد، ومن هنا كان التواب العظيم على كفالة الأيتام والأرامل خاصة. فعن سَهْلِ بْنَ سَعْدٍ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى" [1] "
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» [2] .
إن الجهاد سيعطي الجماعة المسلمة نمطا جديدا، يجب على الجماعة استيعابه بتجهيز المجاهدين، وكفالة الأيتام والأرامل، وتشجيع تعدد الزوجات صيانة لزوجات الشهداء، وقد تسبق الجهاد هجرة يجب استيعابها بالتكافل بين المسلمين والمؤاخاة بينهم كما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، روى البخاري عن عَاصِمَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ» فَقَالَ: «قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي» [3]
(1) - صحيح البخاري (8/ 9) (6005)
(2) - صحيح البخاري (7/ 62) (5353) وصحيح مسلم (4/ 2286) 41 - (2982)
[ش (الساعي) الذي يسعى ليحصل ما ينفقه على من ذكر. (الأرملة) التي مات عنها زوجها غنية كانت أم فقيرة. (المسكين) الذي ليس له من المال ما يسد حاجته. (كالمجاهد) له أجر كأجر المجاهد أو القائم الصائم]
(3) - صحيح البخاري (8/ 22) (6083)