مَنْزِلًا يُرْهِبُ الكُفَّارَ، وَيَغِيظُهُمْ، وَلاَ يُحَقِّقُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ظَفَرًا وَغَلَبَةً .. إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُمْ بِهذِهِ الأَعْمَالِ، ثَوَابَ عَمَلٍ صَالِحٍ جَزِيلٍ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
وَلاَ يُنْفِقُ هؤُلاَءِ الغُزَاةُ قَليلًا وَلاَ كَثِيرًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا فِي سَيْرِهِمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، إِلاَّ كَتَبَ لَهُمْ، وَسُجِّلَ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ عَلَيهِ جَزَاءً أَحْسَنَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الجَلِيلَةِ فِي غَيْرِ الجِهَادِ، فَالنَّفَقَةُ الصَّغِيرَةُ فِي الجِهَادِ كَالنَّفَقَةِ الكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ المَبَرَّاتِ. [1]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [2]
وعنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِي الخِمَارَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [3]
"قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا مِنْهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا هُوَ على مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس من تَعْظِيم ملك الدُّنْيَا وَأما على التَّحْقِيق فَلَا تدخل الْجنَّة مَعَ الدُّنْيَا تَحت أفعل إِلَّا كَمَا يُقَال الْعَسَل أحلى من الْخلّ وَقد قيل إِن معنى ذَلِك أَن ثَوَاب الغدوة والروحة أفضل من الدُّنْيَا لَو ملكهَا مَالك فأنفقها فِي وجهوه الْبر وَالطَّاعَة غير الْجِهَاد قَالَ وَهَذَا أليق وَالْأول أسبق" [4]
"وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَضْلَ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَثَوَابَهُمَا خَيْرٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا كُلِّهَا لو ملكها انسان وَتَصَوَّرَ تَنَعُّمَهُ بِهَا كُلِّهَا لِأَنَّهُ زَائِلٌ وَنَعِيمَ الْآخِرَةِ بَاقٍ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ وَمَعْنَى نَظَائِرِهِ مِنْ تَمْثِيلِ أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1356،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (4/ 16) (2792) وصحيح مسلم (3/ 1499) 112 - (1880)
[ش (لغدوة) زمن ما بين طلوع الشمس إلى الزوال. (روحة) زمن ما بين الزوال إلى الليل والمعنى قضاء مثل هذا الوقت في سبيل الله أكثر ثوابا من التصدق بالدنيا وما فيها أو خير لمن فعل ذلك مما لو ملك الدنيا وما فيها]
(3) -صحيح البخاري (8/ 116) (6568)
(4) - شرح السيوطي على مسلم (4/ 474)