المضاعفة {لمن يشاء} أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون {والله يضاعف} أكثر من هذه المضاعفة {لمن يشاء} فيعطيهم أجرهم بغير حساب {والله واسع} الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو {عليم} بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته. [1]
وَهَذِهِ الْآيَةُ مَرْدُودَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245] ،وَالْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:261] مِنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرِهِمْ مَعَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَبَإِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمْرِ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ الْخَاوِيَةِ عَلَى عُرُوشِهَا، وَقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، اعْتِرَاضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ قَصَصِهِمْ بَيْنَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِبَعْضِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَحَضًّا مِنْهُ بِبَعْضِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:244] يُعَرِّفُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ نَاصِرُهُمْ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُ عَدُوِّهِمْ، وَيَعِدُهُمُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ سُنَّتَهُ فِيمَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مِنَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ أَنَّهُ مُؤَيِّدُهُمْ، وَفِيمَنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنَّهُ خَاذِلُهُمْ وَمُفَرِّقُ جَمَعِهِمْ وَمُوهِنُ كَيْدِهِمْ، وَقْطَعًا مِنْهُ بِبَعْضِ عُذْرِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم،بِمَا أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ، وَمَكْتُومِ أَسْرَارِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا سِوَاهُمْ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا آتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِتَخَرُّصٍ وَلَا اخْتِلَاقٍ، وَإِعْذَارًا مِنْهُ بِهِ إِلَى أَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ، لِيَحْذَرُوا بِشَكِّهِمْ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ وَسَطْوَتِهِ مِثْلُ الَّذِي أَحَلَّهُمَا بِأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:112)