وكان كثير من السلف يصومون في الجهاد، ويقاتلون ولا يفطرون، احتسابًا لذلك عند الله، وطلبًا لمرضاته، ورغبته في جزيل ثوابه. ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ فَتًى غَزَا زَمَانًا، وَتَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ، فَلَمْ يُصِبْهَا، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَانِي إِلَّا لَوْ قَفَلْتُ إِلَى أَهْلِي، فَتَزَوَّجْتُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ فِي الْفُسْطَاطِ، ثُمَّ أَيْقَظَهُ أَصْحَابُهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ قَالَ: فَبَكَى حَتَّى خَافَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَيْسَ بِي بَأْسٌ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي آتٍ، وَأَنَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى زَوْجَتِكَ الْعَيْنَاءِ. قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بِي فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مَا رَأَيْتُ رَوْضَةً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فَإِذَا فِيهَا عَشْرُ جِوَارٍ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُنَّ قَطُّ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْهُنَّ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ. فَقُلْتُ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: هِيَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ جَوَارِيهَا قَالَ: فَمَضَيْتُ مَعَ صَاحِبِي فَإِذَا رَوْضَةٌ أُخْرَى يُضَعَّفُ حُسْنُهَا عَلَى حُسْنِ الَّتِي تَرَكْتُ، فِيهَا عِشْرُونَ جَارِيَةً، يُضَاعَفُ حُسْنُهُنَّ عَلَى حُسْنِ الْجَوَارِي اللَّاتِي خَلَّفْتُ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ، فَقُلْتُ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: هِيَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ جَوَارِيهَا. حَتَّى ذَكَرَ ثَلَاثِينَ جَارِيَةً قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مُجَوَّفَةٍ، قَدْ أَضَاءَ لَهَا مَا حَوْلَهَا، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: ادْخُلْ. فَدَخَلْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ لَيْسَ لِلْقُبَّةِ مَعَهَا ضَوْءٌ، فَجَلَسْتُ، فَتَحَدَّثْتُ سَاعَةً، فَجَعَلَتْ تُحَدِّثُنِي، فَقَالَ صَاحِبِي: اخْرُجِ انْطَلِقْ. قَالَ: وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْصِيَهُ. قَالَ: فَقُمْتُ، فَأَخَذَتْ بِطَرْفِ رِدَائِي، فَقَالَتْ: أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا أَيْقَظْتُمُونِي رَأَيْتُ أَنَّمَا هُوَ حُلْمٌ، فَبَكَيْتُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ نُودِيَ فِي الْخَيْلِ قَالَ: فَرَكِبَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَطَارَدُونَ حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ لِلصَّائِمِ الْإِفْطَارُ، أُصِيبَ تِلْكَ السَّاعَةَ، وَكَانَ صَائِمًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ ثَابِتًا كَانَ يَعْلَمُ نَسَبَهُ" [1] "
الله أكبر ... إن عبادة المجاهد في سبيل الله مضاعفة إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثرة، سواء كانت هذه العبادة صيامًا أو صلاة أو قراءة للقران، أو ذكرًا أو تسبيحًا واستغفارًا لله! [2]
(1) - الجهاد لابن المبارك (ص:123) (149)
(2) - تهذيب مشارع العشاق (ص:35)