اسْتَشْعَرُوا مِنْ قُوَّةِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِمْ بِالْغَلَبَةِ حَيْثُ صَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْوُجُوهِ الْمُشْعِرَةِ بِالنَّصْرِ [1]
رابعًا: الرمي من اللهو الممدوح المندوب إليه، وليس من المذموم:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» [2] .
قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي أَهْلَ الرُّومِ غَالِبُ حَرْبِهُمُ الرَّمْيُ، وَأَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ الرَّمْيَ لِيُمْكِنَكُمْ مُحَارَبَةُ أَهْلِ الرُّومِ وَسَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ، وَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنْكُمْ شَرَّ أَهْلِ الرُّومِ، فَإِذَا فَتَحَ لَكُمُ الرُّومَ فَلَا تَتْرُكُوا الرَّمْيَ وَتَعَلُّمَهُ بَأَنْ تَقُولُوا: لَمْ نَكُنْ نَحْتَاجُ فِي قِتَالِهِمْ إِلَى الرَّمْيِ، بَلْ تَعَلَّمُوا الرَّمْيَ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّمْيَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ أَبَدًا. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْجِزَ أَحَدُكُمْ عَنْ تَعَلُّمِ الرَّمْيِ، حَتَّى إِذَا حَانَ وَقْتُ فَتْحِ الرُّومِ أَمْكَنَهُ الْعَوْنُ عَلَى الْفَتْحِ، وَهَذَا حَثٌّ وَتَحْرِيضٌ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ، وَالْمَعْنَى: لَهُ أَنْ يَلْعَبَ بِهَا وَلَيْسَ مَمْنُوعًا عَنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْأَوْجَهَ التَّوْجِيهُ الثَّانِي فَإِنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَلَا يَعْجِزُ سَبَبِيَّةٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ لَكُمْ عَنْ قَرِيبٍ الرُّومَ وَهُمْ رُمَاةٌ، وَيُكْفِيكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ شَرَّهُمْ؛ فَإِذَنْ لَا يُعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ ; أَيْ: عَلَيْكُمْ أَنْ تَهْتَمُّوا بِشَأْنِ النِّضَالِ، وَتَمَرَّنُوا فِيهِ، وَعَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، حَتَّى إِذَا زَاوَلْتُمْ مُحَارَبَةَ الرُّومِ تَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مُخْرَجَ اللَّهْوِ إِمَالَةً لِلرَّغَبَاتِ إِلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ وَإِلَى التَّرَامِي وَالْمُسَابَقَةِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَيْلِهَا إِلَى اللَّهْوِ. [3]
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ يَرْمِيَانِ، فَمَلَّ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ فَقَالَ الْآخَرُ: «كَسِلْتَ؟» سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَهْوٌ إِلَّا أَرْبَعَةَ خِصَالٍ: مَشْيٌ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَتَعْلِيمُ السَّبَّاحَةِ" [4]
(1) - فتح الباري لابن حجر (6/ 92)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1522) 168 - (1918)
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2499)
(4) - السنن الكبرى للنسائي (8/ 177) (8891) صحيح