إِلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ اللَّهِ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّنَعُّمِ فِي الْجَنَّةِ. وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: مَا مَاتَ فُلَانٌ، أَيْ ذِكْرُهُ حَيٌّ، كَمَا قِيلَ:
مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لَا فَنَاءَ لَهَا ... قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ
فالمعنى أنهم يرزقون الشاء الْجَمِيلَ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ مَا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ فَهُوَ الْوَاقِعُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَافَ [1] ..
والشهداء ليسوا على رتبةٍ واحدة عند الله، فهم متفاوتون في المكانة، ومتفاوتون في المكان. وسبب ذلك التفاوت هو تفاوتهم في درجات إخلاصهم، وسماحة أنفسهم بأنفسهم، وتفاوتهم في ما كانوا عليه قبل الاستشهاد من الأعمال الصالحة:
-من الشهداء من تكون روحه في جوف طير أخضر، يرعى في الجنة حيث شاء، ثم يأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش!
-ومن الشهداء من يكون على بارق نهر بباب الجنة، يأتيهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا!
-ومن الشهداء من يطير مع الملائكة في الجنة حيث يشاء!
-ومن الشهداء من يكون على أسرةٍ في الجنة!
-وإن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ، كَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَكَانَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَدُفِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ. وَكَانَ بَيْنَ يَوْمِ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً" [2] "
(1) - تفسير القرطبي (4/ 269)
(2) - تاريخ المدينة لابن شبة (1/ 128) وموطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 470) (49) صحيح مرسل