فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 3472

والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لاسيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم في جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهِجرة مع رسوله، وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ ... جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع

فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن. [1]

«يسْئلونك عن الشّهْر الْحرام قتالٍ فيه؟ قلْ قتالٌ فيه كبيرٌ» .. نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة، نعم! ولكن: «وصدٌّ عنْ سبيل اللّه وكفْرٌ به والْمسْجد الْحرام وإخْراج أهْله منْه أكْبر عنْد اللّه. والْفتْنة أكْبر من الْقتْل» ..

إن المسلمين لم يبدأوا القتال، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون. هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل اللّه، والكفر به وبالمسجد الحرام. لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل اللّه. ولقد كفروا باللّه وجعلوا الناس يكفرون. ولقد كفروا بالمسجد الحرام. انتهكوا حرمته فآذوا المسلمين فيه، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاما قبل الهجرة. وأخرجوا أهله منه، وهو الحرم الذي جعله اللّه آمنا، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته .. وإخراج أهله منه أكبر عند اللّه من القتال في الشهر الحرام .. وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند اللّه من القتل.

وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام.

ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات الذين يتخذون منها ستارا حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنى وجدوهم، لأنهم عادون باغون أشرار، لا يرقبون حرمة، ولا يتحرجون أمام قداسة. وكان

(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد-مؤسسة الرسالة، بيروت [3/ 168]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت