أَبْدَانَهُمْ هَيَاكِلُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَا، وَتَكُونُ خَلَفًا عَنْ أَبْدَانِهِمْ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران:169] فَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا إِلَى نَيْلِ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ اللَّذَائِذِ الْحِسِّيَّةِ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران:169 - 170] وَالطَّيْرُ جَمْعُ طَائِرٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَخُضْرٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَخْضَرَ (لَهَا) :أَيْ لِلطَّيْرِ، أَوْ لِلْأَرْوَاحِ (قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ) :بِمَنْزِلَةِ أَوْكَارِ الطَّيْرِ (تَسْرَحُ) :أَيْ تَسِيرُ وَتَرْعَى وَتَتَنَاوَلُ (مِنَ الْجَنَّةِ) :أَيْ مِنْ ثَمَرَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا (حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي) :أَيْ تَرْجِعُ (إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ) :أَيْ فَسَتُقِرُّ فِيهَا، ثُمَّ تَسْرَحُ، وَهَكَذَا (فَاطَّلَعَ) :بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ ; أَيْ نَظَرَ (إِلَيْهِمْ) :وَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ (رَبُّهُمْ) :وَإِنَّمَا قَالَ (اطِّلَاعَةً) :لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ اطِّلَاعِنَا عَلَى الْأَشْيَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: وَعَدَّاهُ بِإِلَى، وَحَقُّهُ أَنْ يُعَدَّى بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ. (فَقَالَ) :أَيْ رَبُّهُمْ ( «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا» :يَعْنِي: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] (فَفَعَلَ) :أَيْ رَبُّهُمْ (ذَلِكَ) :أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الِاطِّلَاعِ وَالْقَوْلِ لَهُمْ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) :قَالَ الْقَاضِي: اطِّلَاعُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِفْهَامُهُ عَمَّا يَشْتَهُونَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَجَازٌ عَنْ مَزِيدِ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ وَتَضَاعُفِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ أَحَقُّ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، (فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا) :بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ لَنْ يَخْلُوَا (مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا) :بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَأَنْ يَسْأَلُوا بَدَلٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ يُتْرَكُوا ; أَيْ: لَنْ يُتْرَكَ سُؤَالُهُمْ (قَالُوا «يَا رَبُّ! نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا» ) :أَيِ الْأَوَّلِيَّةِ (حَتَّى نُقْتَلَ) :بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ نُسْتَشْهَدَ (فِي سَبِيلِكِ مَرَّةً أُخْرَى؟) :قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمْ مُتَمَنًّى وَلَا مَطْلَبٌ أَصْلًا غَيْرَ أَنْ يُرْجَعُوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُسْتَشْهَدُوا ثَانِيًا لِمَا رَأَوْا بِسَبَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ (فَلَمَّا رَأَى) :أَيْ عَلِمَ اللَّهُ عِلْمًا تَنْجِيزِيًّا مُطَابِقًا لِمَا عَلِمَ عِلْمًا غَيْبِيًّا تَعْلِيقِيًّا (أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ) :أَيْ حَاجَةٌ مُعْتَبَرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا مَا هُوَ خِلَافُ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى (تُرِكُوا) :أَيْ مِنْ سُؤَالِ هَلْ تَشْتَهُونَ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُؤْيَةُ اللَّهِ كَانَتْ أَعْظَمَ النِّعَمِ، فَلِمَ لَمْ يَطْلُبُونَهَا؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفَةً فِي ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ اسْتِعْدَادٍ