فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 3472

والاستجابة إليه. وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعا. وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر اللّه عليها.

ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان، لوظيفة معينة، تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة. من بينها التنوع في الاستعدادات، والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان، والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات. في حدود من القدرة على الاتجاه، بالقدر الذي يكون عدلا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال .. لذلك لم يجمعهم اللّه على الهدى بأمر تكويني من عنده، ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية، وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف .. فاعلم ذلك ولا تكن ممن يجهلونه. «ولوْ شاء اللّه لجمعهمْ على الْهدى. فلا تكوننّ من الْجاهلين» .يا لهول الكلمة! ويا لحسم التوجيه! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه ..

وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر اللّه الناس عليها، ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى، الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل: «إنّما يسْتجيب الّذين يسْمعون. والْموْتى يبْعثهم اللّه. ثمّ إليْه يرْجعون» ..

إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند اللّه وهم فريقان:

فريق حي، أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية، عاملة، مفتوحة .. وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه، فتستجيب له:

«إنّما يسْتجيب الّذين يسْمعون» .. وفريق ميت، معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب .. ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه، ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه، فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول، ولا مجال معهم للبرهان. إنما يتعلق أمرهم بمشيئة اللّه. إن شاء بعثهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت