لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عَلَى شُرُوطٍ مَحْظُورَةٍ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا: كَأَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى خَرَاجٍ يَضْرِبُونَهُ عَلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ الإِْمَامُ إِلَيْهِمْ أَوْ عَلَى رَدِّ مَا غَنِمَ مِنْ سَبِّيِ ذَرَارِيهِمْ؛ لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مَغْنُومَةٌ، أَوْ عَلَى دُخُول الْحَرَمِ أَوِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال أَبَدًا. أَوْ عَلَى أَلاَّ يَسْتَنْقِذَ أَسْرَانَا مِنْهُمْ، فَهَذِهِ وَمَا شَاكَلَهَا شُرُوطٌ مَحْظُورَةٌ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا فَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، فَإِنْ شَرَطَ بَطَلَتِ الشُّرُوطُ وَعَلَى الإِْمَامِ نَقْضُهَا [1] ،لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35] وعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَّةِ» [2] .
وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَأَخَذَ مَهْرَهَا فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ:"لَا يَجْتَمِعَانِ وَعَاقَبَهُمَا"قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:"لَيْسَ هَكَذَا وَلَكِنْ هَذِهِ الْجَهَالَةَ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ مِنَ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ عِدَّةً أُخْرَى وَجَعَلَ لَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ رُدُّوا الْجَهَالِاتِ إِلَى السُّنَّةِ" [3] "
مِنْ أَمْثِلَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ اشْتِرَاطُ رَدِّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنَ الْكُفَّارِ. فَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ الرَّدِّ أَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي عِقْدِ الْهُدْنَةِ رَدًّا وَلاَ عَدَمَهُ أَوْ خَصَّ بِالنِّسَاءِ فَلاَ رَدَّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ خَصَّ الرَّدَّ بِالرِّجَال، أَوْ ذَكَرَ الرَّدَّ وَلَمْ يُخَصَّصْ بِنَوْعٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ رَدَّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
(1) - الْبَدَائِع 7/ 109، والبحر الرَّائِق 5/ 85، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2/ 206، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 306 - 307، ومغني الْمُحْتَاج 4/ 260 - 261، والمغني 8/ 460 - 461
(2) - سنن سعيد بن منصور (1/ 355) (1326) صحيح
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (7/ 726) (15545) صحيح مرسل