وقال تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم:12] وبعْد أنْ أجابهُم الأنْبِياءُ على شُبُهاتِهِمْ، أخذ المُشْرِكُون يُخوِفُونهُمْ، ويتوعّدُونهُمْ بِالانْتِقامِ والإِيذاءِ، فقال لهُمُ الأنْبِياءُ إِنّنا لا نخافُ تهْدِيدكُمْ، بلْ نتوكّلُ على اللهِ، ونعْتمِدُ عليْهِ، وكيْف لا نتوكّلُ على اللهِ، وقدْ هدانا لأقْومِ الطُّرُقِ وأوْضحِها وأبْينِها؟ وسنصْبِرُ على ما ألْحقْتُمُوهُ بِنا مِن الأذى بِأقْوالِكُمْ وأفْعالِكُمْ، ومنْ توكّل على اللهِ كفاهُ ما أهمّهُ وأغمّهُ .. [1]
هو تقرير وتوكيد لتلك الحقيقة التي أعلنها الرسل، وهى أنهم قد توكلوا على الله، وأسلموا وجوههم له .. ولم لا يتوكلون عليه وقد اصطفاهم لأكرم رسالة، وجعلهم مصابيح هدى للناس؟ لقد هداهم الله إلى الحق، وأقامهم على صراطه المستقيم .. فكيف لا يسلمون أمرهم إليه، وهو سبحانه الذي أخذ بأيديهم، فأخرجهم من تلك الظلمات المطبقة على أقوامهم؟
وفى قوله تعالى: «وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا» هو بعض ما يقدمه الرسل لله، وهو الصبر على الأذى الذي يلقونه في سبيل تبليغ رسالته .. [2]
إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاحتياج ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد! وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام! ..
إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - عليهم السلام - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة .. «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» .. فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1763، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 159)