على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة. فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل. والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم، ومن التفرق كما تفرقوا .. هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار .. وهو دأب يهود في كل زمان. وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم، في كل مكان!
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها .. هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج اللّه في الأرض، ولتغليب الحق على الباطل، والمعروف على المنكر، والخير على الشر .. هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد اللّه وعلى عينه، ووفق منهجه .. فهي التي تقررها الآية التالية: «ولْتكنْ منْكمْ أمّةٌ يدْعون إلى الْخيْر، ويأْمرون بالْمعْروف وينْهوْن عن الْمنْكر، وأولئك هم الْمفْلحون» ..
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته.
فهناك «دعوة» إلى الخير. ولكن هناك كذلك «أمر» بالمعروف. وهناك «نهي» عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن «الأمر والنهي» لا يقوم بهما إلا ذو سلطان ..
هذا هو تصور الإسلام للمسألة .. إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى .. سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر .. سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل اللّه وحبل الأخوة في اللّه .. سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج اللّه في حياة البشر .. وتحقيق هذا المنهج يقتضي «دعوة» إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة «تأمر» بالمعروف «وتنهى» عن المنكر .. فتطاع .. واللّه يقول: «وما أرْسلْنا منْ رسولٍ إلّا ليطاع بإذْن اللّه» .. فمنهج اللّه في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد