مُثابُون على ذلِك. وقدْ وعد اللهُ عِبادهُ المُؤْمِنِين بِهذا الجزاءِ الحقِّ، وجعلهُ حقًّا عليهِ فِي التّوْراةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ.
ثُمّ يدْعُو اللهُ تعالى منِ التزم مِن المُؤْمِنِين بِعهْدِهِ للهِ إِلى الاسْتِبْشارِ بِذلِك الفوْزِ العظِيمِ، والنّعِيمِ المُقِيمِ، لأنّهُ ليْس هُناك منْ هُو أكْثرُ مِن اللهِ تعالى وفاءً بِالْعهْدِ، ولا أكْثر مِنْهُ التِزامًا بِالوعْدِ الذِي يقْطعُهُ على نفْسِهِ الكرِيمةِ، وليْس هُناك رِبْحٌ أكْبرُ مِن الرّبِحِ الذِي يُحقّقُهُ المُؤْمِنُون فِي هذِهِ الصّفْقةِ.
وهُنا يُعدِّدُ اللهُ تعالى صِفاتِ المُؤْمِنِين الذِين اشْترى مِنْهُمْ أنْفُسهُمْ وأمْوالهُمْ بِالجنّةِ، وهُمُ: التّائِبُون مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّها، التّارِكُون لِلْفواحِشِ، القائِمُون بِعِبادةِ ربِّهِمْ، والمُحافِظُون عليها، والحامِدُ ن للهِ على نِعمِهِ وأفْضالِهِ، السّائِحُون فِي الأرْضِ، لِلاعْتِبارِ و الاسْتِبْصارِ بِما خلق اللهُ مِن العِبرِ و الآياتِ، (وقِيل أيْضًا إِنّ معْنى السّائِحِين هُنا الصّائِمُون) والمُصلُّون. وهُمْ معْ ذلِك كُلِّهِ يسْعوْن فِي نفْعِ خلْقِ اللهِ، وإِرْشادِهِمْ إِلى طاعتِهِ، بِأمْرِهِمْ بِالمعْرُوفِ، ونهِيهِمْ عنِ المُنْكرِ، مع العِلْمِ بِما ينْبغِي فِعْلُهُ، ويجِبُ ترْكهُ طاعةً للهِ (أيْ إِنّهُمْ يحْفظُون حُدُود اللهِ) .ويُبشِّرُ اللهُ المُؤْمِنِين المُتّصِفِين بِهذِهِ الصِّفاتِ الكرِيمةِ بِخيْريِ الدُّنْيا والآخِرةِ .. [1]
إنها صفقة مشتراة، لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفت ولا يتخير، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام .. والثمن: هو الجنة .. والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال .. والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» ..
من بايع على هذا. من أمضى عقد الصفقة. من ارتضى الثمن ووفى. فهو المؤمن .. فالمؤمنون هم الذين اشترى اللّه منهم فباعوا .. ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنا، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال، وهو مالك الأنفس والأموال. ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريدا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1347، بترقيم الشاملة آليا)