فهرس الكتاب

الصفحة 2475 من 3472

الذي تستقيم في ظله الحياة، وتستقيم في ظله النفوس، وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها، والسلام مع الكون الذي تعيش فيه.

«وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» .. الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها اللّه لعباده في إعطائهم هذا المنهج، فيشكرونها باتباع المنهج، ويشكرونها بالثناء على اللّه، ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم، ثم يسعدون بجزاء اللّه لهم في الآخرة، وهو أكبر وأبقى ..

وكأنما أراد اللّه - سبحانه - بهذه الحادثة، وبهذه الآية، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم- وهو حي بينهم. وأن يصلهم مباشرة بالنبع. النبع الذي لم يفجره محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن جاء فقط ليومئ إليه، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق، كما أومأ إليه من قبله من الرسل، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه! وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى. العروة التي لم يعقدها محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر، ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون! وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة، وأن يجعل عهدهم مع اللّه مباشرة، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام اللّه بلا وسيط. حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة، التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقتل، فهم إنما بايعوا اللّه. وهم أمام اللّه مسؤولون! وكأنما كان اللّه - سبحانه - يعدّ الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى - حين تقع - وهو - سبحانه - يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم. فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب، وأن يصلهم به هو، وبدعوته الباقية، قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول.

ولقد أصيبوا - حين وقعت بالفعل - بالدهش والذهول. حتى لقد وقف عمر - رضي اللّه عنه - شاهرا سيفه، يهدد به من يقول: إن محمدا قد مات! ولم يثبت إلا أبو بكر، الموصول القلب بصاحبه، وبقدر اللّه فيه، الاتصال المباشر الوثيق. وكانت هذه الآية - حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين - هي النداء الإلهي المسموع، فإذا هم يثوبون ويرجعون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت