مُولِّين الأدْبار، لأنّهُمْ يعْتقِدُون أنّهُمْ يُقاتِلُون فِي سبِيلِ اللهِ لا فِي سبِيلِ نبِيِّهِمْ، فعليْكُمْ أيُّها المُسْلِمُون أنْ تعْتبِرُوا بِأولئِك الرِّبِّيِّين، وتصْبِرُوا كما صبرُوا فإنّ دِين اللهِ واحِدٌ، وسُنّتهُ فِي خلْقِهِ واحِدةٌ ..
فاحْتسب هؤُلاءِ المُؤْمِنُون (الرِّبِّيُّون) الله عِنْد اشْتِدادِ الخطْبِ، وهُمْ يُقاتِلُون أعْداءهُمْ، ولمْ يكُنْ لهُمْ مِنْ قوْلٍ عِنْد نُزُولِ الكوارِث إلا الدُّعاءُ إلى اللهِ أنْ يغْفِر لهُمْ بِجِهادِهِمْ ما كانُوا ألمُّوا بِهِ مِنْ ذنُوبٍ، وتجاوُزوا فِيهِ حُدُود الشّرائعِ، وأن يُثبِّت أقْدامهُمْ على الصِّراطِ القوِيمِ، حتّى لا تُزحْزِحهُم الفِتنُ، ولا يعْرُوهُمُ الفشلُ حِين مُقابلةِ الأعْداءِ فِي ساحةِ الحرْبِ.
فآتاهُمُ اللهُ النّصْر والظّفر على الأعْداءِ، وهُما ثوابُ الدُّنْيا، وجمع لهُمْ، إلى ذلِك الظّفرِ، حُسْن ثوابِ الآخِرةِ، وهُو الفوْزُ بِرُضْوانِ اللهِ ورحْمتِهِ، واللهُ يُحِبُّ الذِين يُحْسِنُون العمل، لأنّهُمْ يُقِيمُون سُنّتهُ فِي أرْضِهِ، ويُظْهِرُون بِأنْفُسِهِمْ وأعْمالِهِمْ أنّهُمْ جدِيرُون بِخِلافةِ اللهِ فِيها. [1]
لقد كانت الهزيمة في «أحد» ،هي أول هزيمة تصدم المسلمين، الذين نصرهم اللّه ببدر وهم ضعاف قليل فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية. فلما أن صدمتهم أحد، فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه! ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم. واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة، وبالاستنكار تارة، وبالتقرير تارة، وبالمثل تارة، تربية لنفوسهم، وتصحيحا لتصورهم، وإعدادا لهم.
فالطريق أمامهم طويل، والتجارب أمامهم شاقة، والتكاليف عليهم باهظة، والأمر الذي يندبون له عظيم.
والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام، لا يحدد فيه نبيا، ولا يحدد فيه قوما. إنما يربطهم بموكب الإيمان ويعلمهم أدب المؤمنين ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ويربطهم بأسلافهم من أتباع الأنبياء ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:439، بترقيم الشاملة آليا) وانظر: المستفاد من قصص القرآن (2/ 204)